ولأنَّ السِّيرَ لا تُخْتَتَم… بَلْ تُورَث
❖أتركُ للقلبِ آخرَ ما يقول:
يا وطنًا يمشي في صدورِ الرجال،
يا جرحًا يلمع حين يقفُ القائدُ ثابتًا،
ويا تاريخًا لا يكتبهُ إلّا من حملَ صدقهُ على كتفه،
كما تُحمَلُ البنادقُ في الطريقِ إلى الحرِّيَّة.
✨رِجَالٌ يَكْتُبُهُمُ الوَطَن… لا المكاتب…
هناك رجالٌ تكتبهمُ المكاتب،
ورجالٌ تكتبهمُ الوظائف…
لكن قليلين فقط يكتبهمُ الوطن،
ويُسجِّلهمُ التاريخُ دون أن يستأذن أحدًا.
ومن بين هؤلاء…
يقفُ الفريقُ إبراهيمُ الماظ
واقفًا كما تقفُ شجرةُ السِّدرِ في مهبِّ الريح:
لا تنحني،
لا تتكسّر،
بل تزيد جذورًا كلما اشتدّت العاصفة.
لم يكن يومًا ابنَ اللحظة،
بل ابنَ الطريقِ الطويل…
الطريقِ الذي يعرف رائحةَ الخنادق،
وصوتَ المعارك،
ووجوهَ الرجال حين يقتربُ الخطر.
الطريقُ الذي يُعلِّمك أنَّ الصمتَ وقتَ الغضبِ بطولة،
وأنَّ الثباتَ وقتَ الفوضى عبادة،
وأنَّ الوطنَ ليس نشيدًا…
بل دمعةٌ صادقةٌ في عين رجل صادق.
مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الرَّجُل؟
جاء من بيئةٍ علّمته أن الاختلاف ثراء،
وأن التنوّع قوة،
وأن الإنسان مهما حمل من أوجاع،
يبقى قادرًا على أن يكون جسرًا بين الشمال والجنوب… لا حاجزًا.
تعلّم لغات الجنوب كما يتعلّم الطفل لغة أمّه:
الدينكا، النوير، الشلك، عربي جوبا…
لم يدرسها في الكتب،
بل درسها في الحياة،
في الأسواق،
في الطرق الترابيّة،
وفي جلسات السمر التي تُبنى فيها الثقة أكثر مما تُبنى في الاجتماعات الرسمية.
رَجُلٌ يَحْمِلُ الخَرَائِطَ فِي صَدْرِهِ… لا فِي حَقِيبَتِهِ
ليس سهلًا أن تجدَ جنرالًا مقاتلًا،
ورجلَ دولة…
وفي الوقت نفسه جسرًا حيًا بين دولتين ووجدانين وتاريخين.
كان الماظ يعرف وجوهَ أهل الجنوب كما يعرف وجوه أبنائه،
ويفهم مزاج الشمال كما يفهم فصول النيل.
لهذا، حين يتحدّث… يصمت الناس،
وحين يصمت… ينشغل الناس بالتساؤل.
✨السجون… المصانع الحقيقية للرجال…
مرّ على السجون والمعتقلات والتحقيق…
لكنه لم يخرج بوجهٍ مشوّه ولا قلبٍ مكسور.
خرج أقوى، أهدأ، أصدق.
لم يتطرّف، لم يحقد، ولم يُبدّل دمه بمرارة، ولم يدفع غضبه نحو وطن يحتضنه مهما قسا عليه.
خرج وهو يحمل جرحه كوسام… لا كعاهة.
وزادته التجربة لمعانًا، كالسيف حين يشتد عليه الطرق.
✨بين العدل والمساواة… وميادين القتال…
حين كان مسؤولًا سياسيًا وعسكريًا، لم يختبئ خلف اللجان.
كان يمشي بين الجنود، يرفع معنوياتهم، يشرح الخطر، يقرأ المستقبل، ويعرف كيف تعيش المعركة تحت جلد المقاتل قبل أن تظهر على وجهه.
معركة الكرامة… الجهد الذي لا يُرى
في معركة الكرامة، لم يكن اسمًا يُتداول،
بل كان جهدًا يُنجز، وقرارًا يُتَّخذ، وظهرًا يُسند الرجال في لحظة لا تحتمل التردّد.
قدّم ما لا يُرى في البيانات:
تنسيقًا هادئًا، قراءة دقيقة للميدان، وربطًا واعيًا بين الجبهة والقرار، بين المقاتل والسياسي الذي يجب أن يفهم معنى النار قبل أن يتحدث عنها.
وحين سُئل أحد المقاتلين عنه قال:
«الماظ ما قائد… الماظ روح»
✨بيتٌ كامل يقاتل…..
ليس هو وحده من يحمل الراية…
أبناؤه، شبابُه الذين تخرجوا من صلبه، يسيرون اليوم في الصفوف الأمامية، يواجهون الخطر بلا خوف.
أُصيب بعضهم، لكن الماظ لم ينهَر أمام الخطر، ولم يطلب لهم البعد عن ساحات القتال.
بل قال لهم بحزم ووضوح:
“من يرفض حمل الوطن في قلبه، لا يستطيع حمل اسمه.”
هذه ليست بطولة فردية، بل عقيدة عائلة بأكملها،
حيث يُورّث حب الوطن، الشجاعة، والمسؤولية من جيل إلى جيل.
✨أهلُ البيت… حين لا تكون المعركة فردية…
لم يكن إبراهيم الماظ رجلَ ميدانٍ وحده،
بل كان ابنَ بيتٍ كاملٍ يعرف أن الوطن لا يُحمَل على كتف واحدة.
في هذا البيت،
كانت المعركة قرارًا جماعيًا،
وصبرًا يُدار به الغياب،
وقلبًا يُمسك بتفاصيل القلق دون أن يضعف ظهر الرجل أو يُساوم على قناعته.
حتى عند الفقد وفراق الأحبة
هكذا كان البيتُ سندًا لا عبئًا،
وقوة خفيّة تُبقي القائد واقفًا حتى حين ينهك الجسد.
✨رحلة العلاج… صمود بلا انسحاب….
وجاءت رحلة العلاج لا بوصفها انسحابًا من المشهد،
بل كوقفة محارب يُرمّم جسده ليعود أصلب.
لم يغادر الماظ وطنه منقطعًا عنه،
بل حمله معه في الفكر، والوجدان، وقراءة ما يجري بصمت العارف.
كانت أيام العلاج رحلة تأمل قاسية، ومراجعة عميقة لخرائط البشر والسياسة،
ولمعنى أن تظل حاضرًا حتى وأنت بعيد.
عاد من رحلة العلاج كما يعود الرجال الحقيقيون:
أكثر هدوءًا، أشد وعيًا، وأقرب إلى جوهر الرسالة من ضجيج المنصات.
✨رحلته بعيدًا عن الوطن… لكنها قريبة من الرسالة
خلال فترة ابتعاده عن السودان، لم يتوقف الماظ عن مراقبة وطنه والتفكير في مستقبله.
كانت أيامه رحلة صامتة من التأمل والعمل الداخلي، يدرس فيها الخرائط البشرية والسياسية، ويصيغ أفكارًا وجسورًا للسلام والثقة، بعيدًا عن ضجيج الأماكن، متخفيًا في صمت القوة واليقين.
هكذا بقي الماظ جسرًا نابضًا بين الأرض والشعب، بين الغياب والحضور، بين الفكر والرسالة، رجلًا لا يعرف أن يبتعد عن وطنه حتى وهو بعيد عنه.
درس العالم العربي معنى السودان.
لماذا يهابه الخصوم ويثق به الأنصار؟
لأن الرجل:
صادق بلا تجمّل،
هادئ بلا ضعف،
قوي بلا ضوضاء،
واسع الصدر بلا تنازلات،
وقادر على جمع ما تفرّق دون أن يرفع صوته.
ولأنك حين تنظر إليه… ترى وطناً يتحرك.
✨الملف الذي لا يليق إلا به…..
السودان وجنوب السودان لا يحتاجان وسيطًا…
بل يحتاجان إلى وجه يفهمهما، ولسان يتحدث لغاتهما، وقلب لا يحمل ثأرًا ولا عقدة، وعقل يعرف أن المستقبل لا يُبنى بالجدران بل بالجسور.
ولهذا…
يُعدّ إبراهيم الماظ أحد أندر الأسماء التي تستطيع إعادة فتح هذا الملف بثقة الطرفين.
✨الخلاصة… كما يقول قلبي وقلمي….
إبراهيم الماظ ليس جنرال فقط،
وليس مناضلًا فقط،
وليس سياسيًا فقط.
إنه مزيج صعب التكرار:
رجل من لحم وطن موجوع،
وصوت من ضمير لم يتلوث،
وسيرة تُدرّس… لا تُروى.
رجل لو وُضعت على كتفه ملفات الشمال والجنوب لما ارتجف،
ولو كُلّف بصوت السودان لما رفع صوته إلا بقدر الوطن.
هذا الرجل…
إنصافه لا تحتاجه السياسة فقط، بل يحتاجه التاريخ.
✨وهنا أقول …..
في لحظة تختلط فيها الأصوات،
تبقى قيمة الرجال فيما يتركونه من أثر، لا فيما يقولونه عن أنفسهم.
وإبراهيم الماظ لم يكتب اسمه على لافتة،
بل تركه في مسار وطن يبحث عن اتزانه.
لذلك، حين يُذكر اسمه، لا يُسأل: ماذا قال؟
بل يُسأل: ماذا ثبت حين تراجع الآخرون؟
✨وهنا تغرد الروح إليك يا وطني…..
يا وطنًا نغرس في جراحه قناديل الصبر،
ونرفع على كتفيه ما تبقّى من ضوء…
يا وطنًا كلما اشتدّت عليه الظلمة
خرج من بين رماده رجال يشبهون المعجزات،
ويمشون إلى الحقّ كما تمشي الريح إلى البحر…
لا يخافون العتمة، ولا تروّعهم النيران.
ويا أيها السائرون على خط النار،
اعلموا أن التاريخ لا يُكتب بالمداد فقط…
بل يُكتب بالقلوب التي لم تخن،
وبالوجوه التي لم تتغيّر،
وبالأرواح التي وقفت حين سقط العالم كله.
وسيظل اسمك يا إبراهيم الماظ شاهقًا…
يمشي بين الناس كأنك وطن يُنادى عليه
فتستجيب الأرض كلها.
✨سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان
✨توقيع لا يُنسى:
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
وأنا الحبر الذي لا يبرد،
أنا… امرأة من حبر النار.
عبير نبيل محمد
