في وقتٍ كانت فيه البلاد تتلمّس طريقها وسط العواصف، بدأت المدن السودانية تستعيد أنفاسها شيئًا فشيئًا مع عودة مؤسسات الدولة إلى ميادينها الطبيعية. ومع كل خطوة تُستعاد فيها السيطرة على مدينة، وكل منطقة تُفتح أمام أهلها بعد معاناة طويلة، يرتفع الأمل بأن دورة الحياة ستعود، وأن الأمن ليس حلمًا بعيدًا، بل حقيقة تتجسد على الأرض.
وفي قلب هذا المشهد، جاءت عودة الشرطة إلى ولاية الخرطوم كعودة الروح إلى الجسد. لم تكن مجرد عودة لقوة نظامية، بل كانت عودة لرمزٍ ظلّ الناس ينتظرونه؛ رمز دولةٍ تستعيد عافيتها، ومجتمعٍ يعيد بناء ثقته في مؤسساته.
ومع بسط الأمن في المدن التي شهدت اضطرابات خلال الفترة الماضية، بدأت الشرطة تعود لأداء رسالتها الأصيلة: حماية الأرواح، حفظ النظام، وصون حقوق المواطنين. وقد دعا كثيرون إلى أن تستقر الأوضاع في كل ربوع الوطن، وأن تكتمل عملية استعادة الأمن على كامل التراب السوداني، ليعود الناس إلى حياتهم بلا خوف، وبلا ظلال حرب.
وتزامنت هذه العودة مع انطلاق حملة “بلّغ تسلم”، التي أصبحت نموذجًا للتكامل بين المواطن والشرطي، فانتقلت من كونها مبادرة إعلامية إلى أداة فاعلة لترسيخ ثقافة الإبلاغ والمسؤولية المشتركة. كانت الأسواق والأحياء والأماكن العامة مسرحًا لهذا التفاعل، حيث يلتقي الوعي الشعبي بالجهد الشرطي، فيرسمان معًا معالم أمنٍ مستدام.
أما أعياد الشرطة هذا العام، فقد جاءت بنكهة مختلفة.
جاءت وشعارها يصدح:
“نصر وعِزّة… أمن وأمان”
شعارًا لا يرفع في الاحتفالات فقط، بل تعِد الشرطة بأن ترجمه على أرض الواقع:
في الانتشار، في الخدمة، في الانضباط، وفي الالتصاق بالمواطن حيثما كان.
كانت الاحتفالات مناسبة لتجديد العهد مع الوطن، ولتأكيد أن الأمن ليس مهمة الشرطة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل يتنفس أملًا جديدًا بأن الغد سيكون أكثر استقرارًا.
واليوم… حين تمشي الخرطوم في فجرها الجديد، وتلمح دوريات الشرطة تعود إلى أماكنها، وتشاهد حركة الحياة التي تنتفض من تحت الركام، تدرك أن هذا الوطن — مهما طال الليل — يعرف طريقه إلى الفجر.
لقد عادت الشرطة… وعادت معها الطمأنينة.
وعاد الإحساس بأن السودان قادر على النهوض، على التماسك، وعلى استعادة كل مدينة وكل شارع وكل قلبٍ فقد أمنه يومًا.
وعندما يتحقق الأمن… تعود الحياة.
