الأحد, مارس 22, 2026
الرئيسيةمقالاتجبل وانا… حين اختار الرجال الطريق الأصعب فصنعوا التاريخ ...

جبل وانا… حين اختار الرجال الطريق الأصعب فصنعوا التاريخ ليلة الفاشر الأخيرة –25 أكتوبر 2025 بقلم: الكاتبة الإعلامية / عبير نبيل محمد


تمهيد… لماذا أكتب؟

هذا السرد ليس تقريرًا، وليس نقلاً عن رواياتٍ متفرّقة.
إنه شهادة… محاولة لإنصاف تلك الليلة التي غيّرت شكل الحرب في دارفور، ودعوة للعالم ليرى ما رأته العيون الناجية وما عاشته الفاشر حين قررت ألا تسقط.
أكتب لأحفظ ذاكرة الناس، لأن من عاش تلك الساعات لا يستطيع أن ينساها، ومن لم يعشها يستحق أن يعرف الحقيقة كما هي.


الفاشر… المدينة التي قاتلت وحدها

في مساء السبت، لم تكن الفاشر مجرد مدينة… بل كانت ميدان اختبار لكل ما يملك الإنسان من صبر وشجاعة.
في تلك الليلة، سقطت الدفاعات واحدة تلو الأخرى، وارتفعت صرخات القتال فوق أصوات الريح والغبار، لتعلن بداية رحلة نجاة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

الجنود، المشاة، المدنيون… كل واحد منهم يحمل واجبًا، أملًا، وخوفًا.
العربات تتحرك ببطء بين الطرق الضيقة، بعضها يسقط، وبعضها الآخر يعبر الصعاب، وكل خطوة تحمل حياة أو موت.
وفي ذلك الظلام، ظهرت حِلّة خاطر بالاتجاه الشرقي، نساؤها دللن القوات على الطريق الآمن، مشيراتٍ إلى ممرّات النجاة بين ركام الخطر، بينما كانت أصوات القذائف والمدافع تملأ الأفق.


المدفعية… آخر نقطة ضوء

تجمعت القوات عند القيادة والسيطرة، ثم اتجهت نحو المدفعية، حيث ازدحم المكان بالجنود والمشاة والمواطنين.
العربات كانت تتحرك ببطء تحت الضغط، بعض المشاة يسقط، وبعض العربات تُعطب، وكل لحظة كانت تهدد الحياة أو تنقذها.

بعض العربات حاولت التحرك نحو قولو عبر طويلة غرب الفاشر، لكن الطريق كان مليئًا بأفخاخ العدو.
عربات العدو أغلقت الطريق، واضطرّوا إلى العودة… وسقط من سقط، ونجا من نجا.
لم تكن النجاة صدفة، بل إرادة وعزيمة لا تُكسر.


الخندق… الفاصل بين الفاشر والمجهول

حين وصلت القوات إلى التورتوار (الخندق الواسع المحفور) بعرض أكثر من ثمانية أمتار، كان المشهد مرعبًا:
العدو أمامهم، ومن الخلف، ومن الشرق والغرب أيضًا.

كانت المشاة تعمل ببطء شديد لردم التراب وفتح الممر للعربات.
بعض العربات عبرت، لكن عربة سقطت في الممر وأغلقت الطريق.
كان الهجوم من كل جانب، والمدنيون والقوات يعانون معًا… لكن العزم لم ينكسر.

في تلك اللحظة، كان لكل فعل معنى:

جندي يحمل مصابًا

شابة تقود مجموعة من الأطفال

ورجل ينقل ضوءًا صغيرًا يكفي لإنقاذ عائلة كاملة


تعريف موجز بجبل وانا

جبل وانا يقع شمال غرب الفاشر، وهو من الجبال الوعرة التي تحتوي ممرات ضيقة ومسالك صخرية تصلح للاختباء والنجاة.
تحوّل خلال الحرب إلى آخر ملاذ للمنسحبين، وإلى شاهد صامت على أعظم لحظات الصمود.


جبل وانا… الملاذ الأخير وشاهد الصمود

بعد مسيرة طويلة وشاقة، وصلت القوات إلى جبل وانا، وهناك صادفوا وجود عربات العدو في المكان نفسه، فاندلع اشتباك عنيف فور الوصول.
سقط فيه بعض الرجال وأُعطبت بعض العربات، وكان القتال مكثفًا… لكن الطريق نحو النجاة لم يتوقف.

نساء حِلّة خاطر استقبلن القوات وقلن:
“يا أولادنا… الطريق الآمن غربًا، الجبل يعرفكم، امشوا على هداه.”

سار الجنود والمشاة خمسة كيلومترات بين الصخور، حتى وصلوا إلى الممر الضيق داخل الجبل، حيث وجدوا مصابين يحتاجون للمساعدة.
الأهالي وفّروا الطعام والدواء والغطاء، وحرسوا المدخل طوال الليل.


القوات المشتركة… أسود الصحراء وأبناء الأرض

وجود القوات المشتركة في تلك الليلة كان عاملًا حاسمًا.
هؤلاء أسود الصحراء… أبناء دارفور أنفسهم، يعرفون الأرض ومسالكها، ويحرسون أهلها كما يحرسون شرفهم.
قاتلوا جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، وانسجمت خطواتهم كأنهم جسد واحد.
لم يحملوا إلا واجب الوطن، ولم يتركوا خلفهم ضعيفًا ولا جريحًا.


كرل وكوسنق… قرى بقلوب أكبر من الحرب

في كرل بقيادة الشيخ يحيى، وكوسنق بقيادة الشيخ علي، تحوّل الأهالي إلى كتف ثابت لكل من وصل إلى الجبل.
كونوا لجان مراقبة لمداخل جبل وانا، أرسلوا المعلومات، ووفّروا الطعام والدواء والملابس والأغطية.
كانت هذه القرى الصغيرة أكبر من أي مدينة… لأنها كانت حياة تُنقذ.


دور النساء… الشجاعة التي لا تُذكر كثيرًا

كانت النساء في تلك الليلة صوت العقل، وخرائط النجاة:
– دللن القوات على الطرق
– قدن الأطفال والجرحى
– وقفن على المداخل يحرسن الليل مع الرجال
– وزّعن الماء والخبز على المنهكين

في الحرب، هناك مواقف لا تُوثّق… لكن النساء حملن الفاشر على أكتافهن.


المسير نحو الأمان

بعد خمسة أيام من الصمود، قررت القوات التحرك نحو مناطق أكثر أمانًا.
قاد شباب جبل وانا المجموعات واحدة تلو الأخرى:

من سار مشيًا إلى طويلة

من اتجه شمالًا إلى أم برو والطينة

ومن عبر سرًا نحو الدبّة

كل مجموعة معها دليل يعرف الممرات السرية، ولا يترك أحدًا خلفه.
وهكذا انسحبت القوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية والمواطنون جميعًا إلى مناطق آمنة…
والفضل لله أولًا، ثم لأهالي جبل وانا وكرل وكوسنق.


ما الذي تعنيه هذه الليلة؟

ليلة الفاشر لم تكن حدثًا عابرًا.
كانت درسًا واضحًا للعالم:
أن المدن لا تنهزم ما دام أهلها واقفين، وأن الحرب مهما اشتدت لا تستطيع أن تكسر شعبًا يعرف قيمة أرضه.
الفاشر لم تسقط… الفاشر قاومت.


رثاء للأرواح التي عبرت ولم تعد…

رحلوا بثباتٍ يشبه صمت الجبال، وتركوا خلفهم آثار أقدام لم تستطع الريح محوها.
نمضي اليوم على خطاهم، نقرأ وجوههم في التراب، ونستعيد حكاياتهم في كل زخة ريح تمر من فوق الخرطوم والفاشر ونيالا.
هؤلاء الذين ودعونا دون وداع، ما زالوا يحرسون هذا الوطن بغيابهم…
وما زالت أسماءهم تلمع بين أيدينا كأنها نجومٌ لا تنطفئ.
سلامٌ على من عبَر، وسلام على من بقي يحمل الرسالة.
سلام على الأرواح التي روت الأرض… كي نكتب نحن بمدادها هذا الحاضر.


الفاشر لا تُكسر…

هذه ليست رواية… بل حقيقة شهدتها العيون الناجية.
الرحمة لشهدائنا، والشفاء للجرحى، والعودة للمفقودين.
وليعلم العالم أن كل دم، وكل دمعة، هي شهادة على الصمود… وعلى العدل الذي لا يموت.

سلام وأمان… فالعدل ميزان


✍️ توقيع لا يُنسى

أنا الرسالة حين يضيع البريد… وقلبي يكتب ما لم تجرؤ الألسنة على قوله.
أنا المرأة… من حبر النار، ومن صمت الجبال أكتب.
عبير نبيل محمد









مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات