شهدت مدينة كسلا صباح الجمعة انطلاق جلسات مؤتمر العدل وسيادة حكم القانون ، الذي تنظمه وزارة العدل تحت قيادة وزيرها مولانا درف ، وسط حضور قانوني واسع من قضاة ومستشارين وأكاديميين وممثلي المجتمع المدني ، ورغم الاعتذار الذي قدّمه رئيس مجلس الوزراء بروفيسور كامل إدريس عن الحضور لأسباب صحية ، كما تسرّب همساً بين أزقة المدينة ، إلا أن المؤتمر حافظ على زخمه ، باعتباره حدثًا ينتظره الشارع السوداني في ظل مشهد قانوني وسياسي شديد التعقيد.
يأتي هذا المؤتمر في توقيت بالغ الحساسية ، فالسودان يقف اليوم أمام مفترق طرق فيما يتعلق بإصلاح منظومته العدلية والقانونية ، ومع طول أمد الحرب وتفاقم الانتهاكات التي مارستها المليشيا ، وتداخل السلطات بين المدني والعسكري ، أصبحت الحاجة إلى تأسيس مرجعيات قانونية صارمة وشفافة ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل ، ومن هنا يبرز الدور المحوري لمولانا درف ، الذي يقود الوزارة في واحدة من أكثر الفترات حرجًا في تاريخ البلاد ، محاولًا إعادة الاعتبار للقانون كمظلة تحمي الجميع.
ورغم غياب رئيس الوزراء ، إلا أن الأنظار اتجهت نحو الأوراق العلمية والنقاشات المتوقعة داخل المؤتمر ، خاصة تلك التي تتناول مراجعة الثغرات القانونية ، وتقييم أداء مؤسسات العدالة ، وبحث إمكانية إصلاح التشريعات لتتماشى مع التحديات المعاصرة ، فالقوانين السودانية ظلّت لسنوات طويلة عرضة للتجاذبات السياسية ، ما أنتج بيئة قانونية هشة تمكّن البعض من الإفلات من العقاب عبر “العفو السياسي” أو الموازنات القبلية ، بينما يقف المواطن البسيط أمام القانون بلا سند.
إن تطلعات المواطنين من هذا المؤتمر واضحة قانون يحمي، وقضاء لا يُستتبع لإرادة السلطة ، ونظام عدلي يستعيد ثقة الناس التي اهتزت بفعل سنوات من الاضطرابات السياسية والانتهاكات ، ويأمل الشارع أن تخرج جلسات المؤتمر بتوصيات فاعلة لا تبقى حبرًا على ورق ، بل تُترجم إلى سياسات وتشريعات تُعيد رسم حدود المسؤولية والمحاسبة في الدولة.
كما يأمل الكثيرون أن تضع توصيات المؤتمر نهاية لثقافة “الاستثناءات والتدخلات ” التي أدت مرارًا لطمس الحق العام باسم التسويات السياسية ، وأن تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها القانون أعلى من الجميع ، ويعود فيها المواطن مطمئنًا إلى أن حقوقه ليست خاضعة لأهواء المتنفذين ولا رهينة للظروف.
ختامًا فإن مؤتمر العدل وسيادة حكم القانون في كسلا ليس مجرد فعالية رسمية ، بل هو امتحان حقيقي لجدية الدولة في إصلاح مؤسساتها العدلية ، نجاعته لن تُقاس بعدد الأوراق المقدمة ، بل بقدرته على تحويل التوصيات إلى واقع يلمسه المواطن ، ويؤسس لدولة قانون تستعيد مكانتها وهيبتها في وجدان الناس…لنا عودة.
