:
يشهد المجتمع السعودي تعاطفاً واسعاً ومستداماً تجاه السودان وشعبه، تعاطف يرتكز على عقود من الإحتكاك الإجتماعي والثقافي المباشر. وفي الوقت الذي يواجه فيه السودان عواقب الحرب المدمرة، يظهر هذا التعاطف بوصفه إنعكاساً حقيقياً للصلة الإنسانية، بعيداً عن الحسابات السياسية.
وتكشف مقابلات مع مواطنين سعوديين من خلفيات مختلفة عن صورة إيجابية ثابتة عن السودانيين، الذين يتذكرونهم لأمانتهم وهدوئهم وإعتماديتهم. وقد تشكلت هذه الإنطباعات من خلال حضور السودانيين المستمر في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والإدارة والمهن المختلفة في المملكة.
وحكى لي سائق تاكسي سعودي ضمن ما يُعرف محلياً بالكداديين ركبت معه ذات يوم، مثالاً واضحاً على ذلك فقد استذكر طفولته تحت إشراف مربي سوداني يُدعى عوض كان يعمل مع أبيه، وزوجته تُدعى فائزة. ووصف دورهما بأنه تجاوز مجرد الإشراف المهني، ليكون دوراً أشبه بالتوجيه الأبوي:
قال السائق: “نشأنا على يديه كما ينشأ الأبناء تحت رعاية أب حقيقي. لقد علمنا الأدب وكيف نحترم الآخرين”
ولم يقتصر تأثير ذلك على التربية فقط، بل شمل الجوانب الثقافية أيضاً. فقد أشار السائق إلى أن إعجابه بالفنان السوداني الراحل محمد وردي بدأ مع عوض، وما زال مستمراً حتى اليوم، وهو ما ظهر حين شغّل أغنية “صدفة” أثناء حديثنا، مستحضراً ذكريات شبابه.
وتعكس هذه التجارب الفردية شعوراً أوسع في المجتمع السعودي. كثيرون يعبرون عن إعجابهم بالسودانيين، وفي الوقت نفسه رفضهم للقوى التى أشعلت الحرب وأطالت أمدها. كما قال أحد المواطنين:
“من المؤلم أن يدفع الأبرياء ثمن صراعات لم يختاروها. الشعب السوداني كريم ويستحق الإستقرار”.
ويُعد هذا المخزون من المودة والاحترام، المتشكل عبر التجارب الإنسانية المباشرة، نموذجاً للتواصل العابر للسياسة، فهو يوضح أن العلاقات الإنسانية الحقيقية وطويلة الأمد يمكن أن تترك أثراً أعمق من أي تحالف رسمي أو إتفاق مؤقت.
وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان، يمثل تعاطف المواطنين السعوديين شهادة حقيقية على التضامن الإنساني. ويؤكد أن الروابط بين الشعوب لا تحددها الجغرافيا أو السياسة فحسب، بل التجارب المشتركة، والإحترام المتبادل، والالتزام بالسلام.
