الجمعة, مايو 15, 2026
الرئيسيةمقالاتعلي حافة الحقيقة!! على...

علي حافة الحقيقة!! على خُطى طريق البحث عن السلام….. المجتمع الدولي غالبا مايختار الممثل الخطأ للمدنيين زكريا علي عبدالرسول. كاتب ومحلل سياسي مستقل




في اللحظات الكبرى التي تنهار فيها الدول تحت وطأة الحروب، يسارع المجتمع الدولي عادةً إلى البحث عن “شركاء السلام”. وفي الظاهر تبدو الفكرة نبيلة؛ البحث عن أصوات مدنية توقف النزيف وتفتح أبواب التسوية. لكن في السودان، تبدو المشكلة أكثر تعقيداً من مجرد غياب التفاوض أو تعثر المبادرات، لأن الأزمة الحقيقية ربما تكمن في سؤال أكثر خطورة: من الذي يتحدث فعلاً باسم المدنيين؟
فمنذ اندلاع الحرب السودانية، تحركت العواصم الإقليمية والدولية بسرعة نحو صناعة واجهات سياسية ومدنية يتم تقديمها للعالم باعتبارها الممثل الشرعي لمعاناة السودانيين وطموحاتهم. غير أن كثيراً من هذه الكيانات اكتسبت شرعيتها من قدرتها على الوصول إلى المنابر الدولية، لا من امتدادها الحقيقي داخل المجتمع السوداني.
وهنا بدأت الفجوة الكبرى بين “السودان الذي يُناقش في الفنادق” و”السودان الذي يحترق على الأرض”.
لقد بدا واضحاً أن المجتمع الدولي اختار الطريق الأسهل؛ التعامل مع النخب الأكثر حضوراً في الإعلام والعلاقات الخارجية، متجاوزاً حقيقة أن السودان بلد شديد التعقيد، لا يمكن اختزاله في مجموعات سياسية محدودة أو شخصيات تجيد الحديث بلغة الدبلوماسية الدولية.
وبينما كانت القرى تُحرق، والمدن تنهار، وملايين السودانيين يتوزعون بين النزوح واللجوء والخوف، ظل التمثيل السياسي يدور في الدائرة ذاتها؛ نخب مركزية، وتحالفات قديمة، وخطاب سياسي يعاني في كثير من الأحيان من الانفصال عن الواقع الاجتماعي الحقيقي.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً ممن يتم تقديمهم اليوم كصوت للمدنيين، لا يملكون تفويضاً مجتمعياً واسعاً، ولا حضوراً فعلياً داخل البيئات التي دفعت فاتورة الحرب الأكبر. فالسودان الحقيقي لا يعيش فقط داخل الخرطوم أو منصات المؤتمرات، بل يمتد في دارفور وكردفان والجزيرة والشرق والشمال والقرى المنسية التي لم تجد حتى الآن من يسمع صوتها.
ولذلك، فإن الأزمة لم تعد فقط أزمة حرب، بل أزمة تمثيل أيضاً.
فالسلام لا يمكن أن يُبنى عبر مجموعة صغيرة تتحدث باسم شعب متعدد ومعقد، لأن أي تسوية تُصاغ بعيداً عن التوازنات الاجتماعية الحقيقية ستتحول إلى هدنة مؤقتة، لا إلى سلام مستدام. والتاريخ السوداني نفسه مليء بالاتفاقيات التي أوقفت الحرب على الورق، لكنها فشلت في صناعة الاستقرار لأنها لم تُبنَ على مشاركة حقيقية وعادلة.
إن المجتمع الدولي، وهو يبحث عن مخرج سريع للأزمة السودانية، وقع في خطأ استراتيجي بالغ الخطورة؛ إذ تعامل مع الملف السوداني باعتباره أزمة سياسية قابلة للحل عبر صفقة بين أطراف محددة، بينما الواقع يقول إن السودان يعيش أزمة دولة وهوية وتاريخ وعلاقات اجتماعية مختلة منذ عقود طويلة.
ولهذا، فإن أي حديث عن سلام حقيقي يجب أن يبدأ أولاً بإعادة تعريف من هم المدنيون الذين ينبغي أن يكونوا جزءاً من العملية السياسية.
فالمدني ليس فقط السياسي الذي يظهر في المؤتمرات الصحفية، ولا الناشط الذي يمتلك شبكة علاقات خارجية، بل أيضاً شيخ القرية الذي حافظ على السلم الأهلي وسط الفوضى، والمرأة التي تدير مطبخاً جماعياً لإطعام النازحين، والشباب الذين أنشأوا غرف الطوارئ، والمثقفون المحليون الذين بقوا وسط مجتمعاتهم رغم الخطر، والإدارات الأهلية التي ما تزال تملك تأثيراً حقيقياً داخل النسيج الاجتماعي السوداني.
ومن هنا، إذا كان المجتمع الدولي جاداً بالفعل في دعم سلام مستدام، فعليه أن يغيّر طريقة مقاربته للأزمة السودانية بالكامل.
أول ما يحتاجه السودان اليوم هو توسيع دائرة التمثيل داخل أي عملية تفاوضية، بحيث تشمل الأقاليم المتأثرة بالحرب، والقيادات المجتمعية، والنساء، والشباب، والنازحين، والفعاليات المدنية المحلية، لا أن تظل المفاوضات حكراً على النخب السياسية التقليدية.
كما أن نجاح أي عملية سلام يتطلب الفصل الكامل بين العمل الإنساني والصراع السياسي، لأن استخدام الغذاء والدواء كورقة ضغط تفاوضية يهدد بتحويل المأساة الإنسانية إلى جزء من أدوات الحرب نفسها.
وفي الوقت ذاته، لا بد من الاعتراف بأن الحرب الحالية ليست مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل نتيجة تراكمات تاريخية مرتبطة بالتهميش، واختلال توزيع السلطة والثروة، وفشل مشروع الدولة الوطنية في استيعاب التنوع السوداني.
ولهذا، فإن السودان بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يقوم على حكم لا مركزي حقيقي، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة ـ وعلى رأسها المؤسسة العسكرية ـ على أسس قومية ومهنية، بعيداً عن هيمنة المجموعات الضيقة أو المصالح الجهوية.
كذلك، لا يمكن الحديث عن سلام دائم دون عدالة انتقالية حقيقية تعالج جراح الحرب والانتهاكات، لأن تجاهل المظالم لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل الانفجار فقط.
أما الخطأ الأكبر، فهو أن تظل عملية السلام محصورة داخل العواصم الأجنبية والفنادق المغلقة، بينما يُفترض أن يُبنى السلام الحقيقي داخل السودان نفسه، عبر حوار مجتمعي واسع يشارك فيه الناس الذين عاشوا الحرب لا الذين تابعوها من بعيد.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى “ممثلين جاهزين” بقدر ما يحتاج إلى مشروع وطني جديد يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، وبين السودانيين أنفسهم.
وفي النهاية، ربما تكون المعضلة الحقيقية أن المجتمع الدولي يبحث عن شريك سياسي سريع يوقع الاتفاقات، بينما يحتاج السودان فعلياً إلى شراكة وطنية عميقة تعيد تأسيس الدولة من جذورها.
فالسلام المستدام لا تصنعه البيانات الدبلوماسية وحدها، بل تصنعه المجتمعات حين تشعر لأول مرة أن هذا الوطن يتسع للجميع، لا لفئة واحدة تتحدث باسم الجميع.
،،، سروري مع خالص تحياتي،،،

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات