الإثنين, مارس 23, 2026
الرئيسيةمقالاتبوابةُ الكَفِّ الأخيرة — لوحةُ الجراح ...

بوابةُ الكَفِّ الأخيرة — لوحةُ الجراح على أنقاضِ “الفاشرِ” ووجعِ السودانِ كلِّه بقلم الكاتبة الإعلامية/ عبير نبيل محمد

    ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾

قد كفاني من كفا كفَّيْنِ بالنونِ كلُّ كَفِيفٍ
ولم يَنْهَزِمْ من توكَّلَ على اللهِ، إنَّ اللهَ كفِيلُ

ويكفلُ من كان كافَيْنِ مِنْ كلِّ شيءٍ
واكْتَفَى برفعِ الكفِّ عاليًا للهِ يُناجي يَبْكِي، أنتَ كَفِيلُ

اكْفِلْني وَكفِّلْني داخلَ كَنَفِكَ يا مَنْ كَفَلْتَ كُلَّ كَفِيفٍ
رَبِّي لا تَزِرْني من دونِ عَطْفِكَ
ارْحَمْني يا مَنْ لكَ الخيرُ، أنتَ ربُّ العِزَّةِ وَالمُلْكُ يا كَرِيمُ


✨ لوحةُ الجراح

أطلَّ الشعرُ من جرحِ السودانِ،
فانشقَّتِ القصيدةُ على أنينِ الفاشرِ،
وانبثقَ الحرفُ من بينِ رمادِ البيوتِ المحروقةِ،
يحملُ في صدرِه بكاءَ الأمهاتِ، وارتجافَ الأطفالِ،
وصرخةَ مدينةٍ كانت تُطعمُ الحياةَ — فأكلتها النيران.

على أنقاضِ الماضي…
تبحثُ الكفوفُ عن كفٍّ لم يعد يملكُ سوى الدعاء،
فقد ضاعت البيوت، وضاعَ المسكنُ، وضاعَ حتى الصبرُ بين الركام.
السماءُ هناك تبكي من فرطِ الألم،
والأرضُ تشهدُ على إبادةٍ جماعيةٍ،
مكتوبةٍ بدمٍ لا ينسى، محفورةٍ في الذاكرةِ قبلَ أن تراها العيون.

يا وطنًا كان يمشي على جرحِه شامخًا،
يا فاشرَ النورِ والعزّة،
ها أنتِ اليومَ تحترقين لتُعلّمي العالمَ
أنّ النارَ لا تقتلُ الإيمان،
وأنّ الرمادَ لا يُطفئُ ذاكرةَ الأبطال.


على امتدادِ الوطن

في تخومِ كردفانَ نارٌ لا تهدأ،
والأرضُ هناكَ تئنُّ تحتَ ثقلِ القتلِ والرحيل،
قُرى تُمحى، وناسٌ يَهربونَ بغيرِ عنوان،
والليلُ طويلٌ على الفقدِ، لا يُسألُ عن اسمٍ إلا والدُّهُ قد اختفى.

وفي الجزيرةِ رجمٌ من الغياب،
ودّ مدني يصدحُ بأسماءٍ لم تعُدْ تُنادى،
الخرطومُ يئنُّ من داخلِه، والأسواقُ تُحصي النيرانَ،
ومن كلِّ ولايةٍ يأتي الصوتُ واحدًا:
نحنُ التي تمزقنا الحربُ — نريدُ أن نُدَفّنَ الموتَ ونحيا.

هنا جرحٌ، وهناكَ جرحٌ،
لكنَّ كلَّ الجراحِ تُصِلُ إلى قلبٍ واحدٍ:
قلبُ السودانِ الذي يرفُ لأنَّ أحدًا قد أُقصِي،
فإذا اقصيتَ شخصًا، سالَ الكلُّ سائلاً: من منا يبقى؟ ومن يبكي من أجله؟

الدمعُ صار لغةً وطنيةً،
والصمتُ صارُ شهادةً،
والأطفالُ يعلِّمونَ بعضَهم كيف يختزنونَ الفراقَ في اليدين .


الكفُّ التي بقيت

ويَكفُلُ مَن كَانَ كَافَيْنِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ،
واكْتَفَى بِرَفْعِ الكَفِّ عَالِيًا لِلهِ يُنَاجِي، يَبْكِي:
أَنْتَ كَفِيلُ.

يا ربَّ الفاشر، ويا ربَّ كلِّ دارٍ أُحرِقَت،
اجعلْ لهذا الشعبِ زادًا من رحمتك،
واجعلْ لتلكَ الأياديَ التي فارقتْنا طريقًا إلى الدفءِ والسلام.

لم يبقَ من الوطنِ سوى كفٍّ واحدة،
كفٌّ تتلمّسُ الطريقَ في الظلام،
هي كفُّ الجيشِ والقواتِ المشتركة،
الذينَ فقدوا الأهلَ ومسقطَ الرأس،
لكنَّهم لم يفقدوا بوصلةَ العودةِ للحياة.

كفٌّ تحفرُ طريقَ النورِ في وجهِ العاصفة،
وتحملُ على راياتِها وجعَ الأمهات،
كفٌّ تقولُ:
“ما احترقنا عبثًا…
بل لِنُضيءَ ما تبقّى من السودان.”


معركةُ الكرامة

من تحتِ الركامِ خرجوا،
لا يملكونَ سوى إيمانِهم،
ولا يحملونَ سوى قسمِ الشرفِ للوطن.

كانت السماءُ سوداءَ،
لكنَّهم رأوا فيها طريقَ الله،
وكلُّ شهيدٍ منهم كان شمعةً في طريقِ العائدين.

في معركةِ الكرامةِ،
وُلِدَ السودانُ من جديدٍ على رمادِ الفاشرِ،
ارتفعت الكفوفُ الملطَّخةُ بالدمعِ والدم،
وقالت للعالمِ أجمع:
“هذه بلادُنا… لن نحترقَ مرتين.”


الانبعاث — لوحةُ البعث

وحينَ هدأ الرمادُ،
نهضَ الجيشُ والقواتُ المشتركةُ،
ينفضونَ الغبارَ عن الذاكرة،
ويجمعونَ ما تبقّى من النورِ في العيون.

خرجوا من قلبِ الرمادِ لا لينتقموا، فقط
بل ليعيدوا للوطنِ ملامحَه،
وللأرضِ لونَها،
وللأمهاتِ معنى الانتظار.

هم أبناءَ النيلِ والصحراءِ والجبال،
كأنَّ اللهَ اختارَهم لكتابةِ السطرِ الأخيرِ في كتابِ الألم،
والسطرِ الأولِ في حكايةِ البقاء.

من الفاشرِ إلى كرري،
من كردفانَ إلى الجزيرةِ،
من ودّ مدني إلى حيِّ الخرطومِ ووداعاتهِ،
تمدُّ القواتُ المشتركةُ كفَّها للوطنِ،
كفٌّ لم تعد تملكُ شيئًا،
إلا الإيمان بأنَّ اللهَ لا يُضَيِّعُ مَن أحبَّ الوطن.

فانهضْ يا سودان،
فمن رحمِ النارِ يولدُ النور،
ومن الكفِّ المحروقةِ تُكتبُ الحياةُ من جديد.


لوحةُ الختام

هذهُ لوحةُ الجراحِ التي طالَت كلَّ المدنِ والقُرى،
لوحةٌ لا تُخفي الحُزنَ ولا تُخفي الرغبةَ في البعثِ،
لوحةٌ تقرعُ على أبوابِ الضميرِ الدوليِّ والإنسانيِّ،
وتُعلِنُ أنَّ الألمَ هنا، وأنَّ الكرامةَ مطالبةٌ بالعودةِ.


قَدْ كَفانِي مَن كَفَا كَفَّيْنِ، لكنَّ الكَفَّ اليومَ تَشَقَّقَتْ في الفَاشِر،
واحْتَرَقَتْ في كُرْدُفَان، وتَيَبَّسَتْ دُمُوعُهَا في الجَزِيرَةِ وَالخُرْطُوم.

ضَاقَتِ الأرواحُ يا ربُّ، وامْتَلأَتْ بالوَجَعِ الطُّرُقُ،
تَاهَتِ الدُّموعُ في المآقي، واسْتَرَاحَ الحُلْمُ فِي العِتْقِ.

يا مَنْ كَفَيْتَ المُنْكَسِرِينَ، وكَسَوْتَ العَارِينَ صَبْرًا،
يا مَنْ تُحْيِي الجَسَدَ بِالرَّحْمَةِ، وتَبْعَثُ المَوْتَى بِنَظْرَةٍ مِنْ نُورِكَ، اكْفِلْنِي.

ما عادَ في الكَفِّ إلَّا رَمَادُ الرَّجَاءِ،
ولا في القَلْبِ إلَّا نَبْضُ خَوْفٍ يُرَدِّدُ:
يا رَبِّ، سُودَانُنَا يَنْزِفُ، فَكُنْ لَهُ الكَفِيلَ الجَمِيلَ.

يا رب الجند، يا مَنْ تُسْقِطُ الميزانَ ظلمًا وتُقيمه عدلًا،
اجعل لكل أم ناجتْكَ كفًّا تَضُمُّ ابنها،
واجعل لكل جيشٍ يُقاتل دون أرضه نصرًا لا يزال.

الفاشر احترقت، ولكن نوركَ لا يُطفأ،
والكرامة باقية في كل من رفع راية الإيمان والوطن.


كلُّ الأرواحِ الآنَ ترفرفُ في نعيمِ الله،
هناكَ حيثُ لا نيرانَ تُؤذي، ولا صرخاتٍ تُسمَع،
حيثُ يلتقي الراحلونَ على سُرُرٍ من نور،
يتبادلونَ السلامَ كأنَّهم ما غادروا الوطنَ يومًا.

هناكَ تسجدُ الأكفُّ خاشعةً للكافِ الأعظم،
الذي وعدَ بالنصرِ لمن صبرَ وصدَق،
وتتعانقُ أرواحُهم كأنَّها كفٌّ واحدة،
تحملُ الدعاءَ عن الأرضِ إلى السماءِ.

من فوقِ الغيمِ، يكتبونَ بأطرافِ النور:
“إنَّ النصرَ من عندِ الله”،
لا من طائرةٍ تُحلّقُ، ولا من رصاصةٍ تُصيب،
بل من كفٍّ رفعتْها أمٌّ باكيةٌ وقالت:
“اللهمّ احفظهم”، فكان الحفظُ وعدًا من السماء.

هناكَ، في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدر،
تُروى حكايتُهم بماءٍ من الكرامة،
وتُظلِّلهم رحمةُ اللهِ كما ظلّلوا الوطنَ بأرواحِهم،
فسلامٌ على من مضوا… وسلامٌ على من لا يزالونَ على العهد.

✦ توقيع لا يُنسى ✦

أنا الرسالةُ حينَ يضيعُ البريد،
أنا العنقاءُ التي عادتْ من رمادِ الفاشرِ الجريح،
أكتبُ على جدارِ الوطنِ بكفٍّ احترقتْ فيها الحياة،
وفي الأخرى كفٌّ رفعتُها نحوَ السماء أُنادي: يا الله، أنتَ كَفِيل.

أنا ابنةُ الجيشِ والقواتِ المشتركة،
من رحمِ الجوعِ والمقابرِ خرج صوتي،
لا أرثي الوطن… بل أُقيمه من بينِ أنقاضِ الماضي.

سلامٌ على كلِّ من بقي على العهد،
وسلامٌ على الفاشرِ وهي تبعثُ من رمادِها نورًا جديدًا،
ففي دمي القسمُ، وفي قلبي الوطن،
وفي اسمي نبضُ النارِ واليقين.

✦ أنا عبير نبيل محمد ✦
امرأةٌ من حبرِ النار.
سلامٌ وأمانٌ فالعَدلُ ميزان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات