حين تختلط الأصوات وتتشابه المواقف في أزمنة الاضطراب، تظلّ المؤسسات الوطنية هي البوصلة التي تعيد للدولة اتزانها، وللشعب وعيه.
ولعلّ اجتماع مجلس الأمن والدفاع الأخير برئاسة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في الخرطوم ، كان واحداً من تلك اللحظات الفارقة التي تتكثّف فيها رمزية الدولة في جملة واحدة، ورسالتها في بيان واحد.
لم يكن الاجتماع روتيناً إدارياً بقدر ما كان إعلانَ موقفٍ في لحظة شكّ جماعي. فبينما كانت الشائعات تملأ الفضاء العام بأنّ البلاد على وشك الانهيار، وأن الجيش تراجع، وأن القرار الوطني أصبح رهين الخارج جاء بيان المجلس واضحًا كالشمس في رابعة النهار وكأنه يُنهي كل هذا الصخب بجملة حاسمة ألا وهي.. الأولوية الآن للميدان.
هذه العبارة القصيرة حملت ما هو أبعد من دلالتها العسكرية. إنها تعني أن الدولة ما زالت حاضرة، وأن قراراتها تُصاغ في مؤسساتها، لا في المجهول ولا بإملاء كائن من كان.. وهي أيضاً رسالة نفسية إلى المواطن قبل أن تكون سياسية أن ما يجري في أرض السودان ليس فوضى بلا وجهة، بل معركة تُدار بعقلٍ الدولة إستراتيجية عسكرية لا بعشوائية المليشيا.
من زاوية التحليل السياسي، فإن مخرجات المجلس أكدت أن الحكومة تُدير صراعاً متعدد الجبهات ميدانٌ عسكري، وإعلامٌ متخم بالشائعات، واقتصادٌ يئن تحت الحصار، ومجتمعٌ يحاول أن يجد في رماد الحرب معنى للبقاء.
لهذا كان تركيز المجلس على دحض الأكاذيب وإعادة الثقة بين الدولة والمواطن خطوة استراتيجية بقدر ما هو واجب وطني.
إن أخطر ما تُحدثه الشائعات ليس تشويه الوقائع، بل قتل الأمل في النفوس. وحين يخرج المجلس ببيانٍ موحد، فإنه لا يعلن فقط عن قرارات ميدانية، بل يُعلن عن بقاء الإيمان بالوطن. فما تحاول «غرف المليشيا» أن تزرعه من يأسٍ وهزيمةٍ داخل المجتمع، يواجهه وعي الشعب الذي بات يدرك أن المعركة الإعلامية لا تقل خطراً عن المعركة العسكرية.
لقد أعادت هذه المخرجات بعض الضوء إلى المشهد المعتمد.ففي الوقت الذي كانت الوجوه تكسوها علامات القلق بعد ما جرى في الفاشر وبارا، جاء البيان ليقول بلغة صلبة إن الدولة، مهما اشتدّت عليها المحن، وتكالب عليها الأعداء لا تزال قادرة على النهوض، وأن الجيش، مهما أُنهك، لا يزال هو العمود الفقري للأمل.
المواطن السوداني اليوم لا يطلب وعوداً بقدر ما يطلب وضوحاً.
وقد جاء اجتماع المجلس ليقدّم له ذلك الوضوح لا مجاملات، لا إنكار للواقع، بل قراءة دقيقة تُدرك أن طريق السلام يمرّ عبر بوابة الأمن، وأن الاستقرار لا يُبنى على الأوهام، بل على حسم المواقف.
إنه زمنٍ صاخبٍ بالأصوات والظلال، فقد كان اجتماع مجلس الأمن والدفاع صوت الدولة حين اختنق الهواء بالشائعات، ورسالةً مفادها أن السودان ما زال يملك قراره، وأن جيشه — برغم العواصف — ما زال يقف في موقعه الصحيح من التاريخ.
