السبت, مارس 21, 2026
الرئيسيةمقالاتالإعلام الغائب… حين تنادي الفاشر ولا يُجيبها أحد.. ...

الإعلام الغائب… حين تنادي الفاشر ولا يُجيبها أحد.. بقلم. د. إسماعيل الحكيم


حُبست الأنفاس يوم امس في يومٍ من أيام الوطن العصيبة، لمّا علت صيحة الفاشر، بنداء استغاثةٍ سمعه القاصي والداني… إلا إعلامنا الرسمي والوطني.
كل أذنٍ في السودان التقطت صدى النداء، إلا من وُكّل إليهم أن يكونوا صوت الوطن وعينه وبوصلته.
وفي غياب الكلمة الصادقة، اشتعلت الشائعة وسرت بين الناس سريان النار في الهشيم.
وانتشرت الأكاذيب بأن الفاشر سقطت، وأن قائد فرقتها أُسر وأن وأن ، وارتجف الناس حينها، واضطربت قلوبهم وبلغت الحناجر، وظنّوا بجيشهم الظنون.
وفي الوقت الذي كانت فيه غرف المليشيا تُحكم قبضتها على الفضاء، وتنفث سمومها في الرأي العام، وتشيع في الذين ثبتوا الإفك والكذب ، كان إعلامنا غائبًا… كأنه خارج الزمن.
بل لم يظهر من بين الناس من يقول : «كذبٌ ما يشيعون وباطل ما يقولون»، ولم تخرج نشرةٌ تطمئن القلوب أو بيانٌ يردّ العدوان المعنوي ويسكت الألسنة التي لا تعرف إلا طمس الحقائق وتحريف الكلام..
سكت الإعلام، فاهتزت الثقة، وارتبكت النفوس، وكاد الوطن يفقد روحه قبل أن يعرف الحقيقة.
وحين تبيّن لاحقًا أن الفاشر بخير، وأن رجالها ونسائها صامدون كالجبال، تنفس الناس الصعداء، لكنهم شعروا بجرحٍ آخر جرح الغياب الإعلامي.
ذاك الغياب الذي جعل الأكاذيب تُصاغ واقعًا، والباطل يتحدث باسم الحقيقة، والعدو يُدير وعي الناس في غيابنا.
يا سادة الإعلام وأساطينه إن الصمت في لحظة الوجع جريمة في حق الوطن.
وإن التردد في ساعة الخطر خيانة للمهنية والواجب.
الإعلام ليس تابعًا للحدث، بل هو من يصنع وعي الحدث، ويرسم ملامحه، ويُبقي للناس بوصلتهم في العتمة.
لقد كشفت معركة الفاشر المتكررة عن ثغرةٍ مؤلمة في بنياننا الإعلامي
إعلامٌ هش بلا غرفة عمليات، وبلا سرعة استجابة، وبلا حضور ميداني ولا خطاب تعبوي وطني قادر على مواجهة سيل الأكاذيب المنظم.
نحن لا نتحدث عن تغطية خبرية عابرة، بل عن معركة وعي وبعث طمأنينة وعرض إنجاز فيها تُحسم الجبهات بالثقة، وتُكسب الحرب بالمعلومة الصحيحة في وقتها.
الإعلام في زمن الحرب ليس ملحقًا، بل هو سلاح استراتيجي، يُعاد به بناء المعنويات وصناعة الرأي العام الوطني المعزز للنصر والإنتصار..
يا أهل الإعلام… أنتم خط الدفاع الأول عن الوعي، فلا تتركوا الميدان للباطل يملأ فراغ صمتكم..
الوطن لا يحتاج إلى إعلامٍ يجيء بعد انتهاء المعركة، بل إلى إعلامٍ يُقاتل فيها، بالكلمة، بالخبر، بالصورة، وبالصدق.
لقد نادت الفاشر أمس فلم يُجبها أحد. فهل نُعيد اليوم بناء إعلامٍ يسمع نداء الوطن في حينه… ويُجيب؟

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات