بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
مُنذ فَجْرِ هذا اليوم، كانت فَاشِر السُّلطَان على موعدٍ مع التاريخ.
اِشتَعَلَت المعارك في أطراف المدينة ووسطها، وارتفعت أصوات المدافع كأنها تَصْرُخ باسم السودان كله.
حاوَلت المليشيات التسلل من عدة محاورٍ مدجَّجةٍ بالأسلحة الثقيلة، لكنها اصطدمت بجدارٍ من الصمود شُيِّدَ من الإيمان والعقيدة والوطنية الخالصة.
في تلك اللحظات، وقفت القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة كَتِفًا إلى كَتِفٍ، صَفًّا واحدًا لا يعرف الانقسام، يذودون عن المدينة وعن كرامة أهلها.
من الخنادق إلى الشوارع، ومن مواقع التماس إلى الأزقة المشتعلة، توزَّعت أرواح النساء والرجال كأنها أسوارٌ من نارٍ تحمي فاشر السلطان من السقوط.
✦ مِيرَم فَاشِر السُّلطَان… الصَّوتُ الذي تَحَوَّلَ إلى سِلاح ✦
في قلب المعركة، وسط رائحة البارود وصدى التكبير، وقفت مِيرَم فَاشِر السُّلطَان — امرأةٌ من لحم الأرض ونبضها، لا تعرف التراجع ولا الخوف.
شَدَّت خِمارَها بِإحكام، وارتدت حِجابها كقسمٍ مقدس، ثم حملت السلاح ومضت بلا خوف.
هَمَسَت للنار بأن الفاشر السلطان لن تُهزم، وأن كل طلقةٍ خرجت من بندقيتها ستكتب تاريخ البطولة.
لم يكن في يدها خوذةٌ تحميها، بل إيمانٌ يقيها الرعب وإصرارٌ يُضيء الطريق لمن حولها.
كانت تُداوي الجرحى بيدٍ، وتُقاتل بالأخرى، ترفع رأسها بين رصاص العدو وتهمس:
“الفاشر ما بتركها… ولو كان آخر نفس.”
كانت رمزًا لكل امرأةٍ في فاشر السلطان، للّواتي قدمن الدعم والماء والدواء والدعاء، وصبرن شامخاتٍ خلف البنادق.
لقد عَلَّمَت مِيرَم الفاشر السلطان العالم أن المرأة السودانية لا تكون ظلًا في المعركة، بل ضوءها الذي لا ينطفئ.
✦ مَعْرَكَة الفاشر… من رَحِمِ النَّار وُلد النصر ✦
المعركة التي بدأت فجرًا، تحوَّلت إلى ملحمة وطنية مع حلول الظهيرة.
اشتدَّ القتال في محاور متعددة، لكن أبطال القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة تمكّنوا من تحرير المواقع الحيوية، واستعادة السيطرة الكاملة على المدينة بعد ساعاتٍ من الصمود الأسطوري.
خسرت المليشيات عددًا كبيرًا من أفرادها وآلياتها، وتراجعت منهزمةً تجرّ أذيال الفشل، تاركةً وراءها كل ما يدل على هزيمتها الميدانية والمعنوية.
لم يكن الانتصار عسكريًا فحسب، بل كان انتصارًا للثقة والإيمان بوحدة الصف.
فالشعب في الفاشر لم يقف متفرجًا، بل شارك بقلوبٍ ثابتةٍ وأيادٍ تمتدّ بالماء والدعاء والمساندة.
كانت النساء يرفعن الزغاريد في وجه الخطر، والأطفال يرسمون علم السودان على الجدران، كأنهم يُعلِمون أن المدينة لا تُقهر طالما فيها نبض الحياة.
✦ طابور الإجلال… صمتٌ بحجم النصر ✦
فور انتهاء المعركة، صدر من القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية إعلانٌ وطنيٌّ يربط الميدان بالضمير:
دُعي الضباط والجنود، وكل قوى الأمن، والمقاومة الشعبية، وشعب السودان في الداخل والخارج، لتشكيل طابور إجلالٍ مهيبٍ صامتٍ لمدة 15 دقيقة، تُرفع خلاله البنادق تحيةً لفاشر السلطان ولأبطالها.
كانت هذه الوقفة بمثابة قسمٍ جديد للوطن:
ألا تُطأ الفاشر إلا على جثث من خان، وأن تبقى راية السودان مرفوعةً ما دام في الصدور نفس.
✦ نداء الوطن ✦
يا أبناء السودان في كل مكان…
قفوا في أماكنكم، برؤوسٍ عاليةٍ وقلوبٍ مؤمنةٍ، فهؤلاء الذين يقاتلون هناك لا يدافعون عن مدينةٍ فقط، بل عن شرف الوطن كله.
ادعوا لهم، وساندوهم، وعلّموا أبنائكم أن العزة لا تُمنح بل تُنتزع.
اليوم، تتنفّس فاشر السلطان من جديد.
تُغسل شوارعها بدموع الفرح، وتُرفع الأعلام فوق المنازل والمخيمات التي كانت بالأمس ساحةَ قتال.
لقد صمدت المدينة كما لم تصمد من قبل، وكتبت سطورًا جديدةً في كتاب الكرامة السودانية.
لكن المعارك لم تنتهِ بعد، والفاشر ما زالت تصارع الموت والجوع والحصار، والموت ما زال سيدَ الموقف.
هناك من يأكل جلود الحيوانات وعلفها، وهناك جرحى بلا علاج، وسوء التغذية ينهش الجسد والروح، وعذاب المليشيات لم يتوقف عن القتل والتعذيب.
ما تبقّى من أرواحٍ يتقاذفها الخطر من كل جانبٍ، والخطر أصبح يعيش داخل كل قلبٍ، يختبر إرادة الإنسان.
نعم، صمد الجميع، ووقفوا كالسدّ أمام المد، لكن إلى متى سيظل هذا الصمود وحده كفيلاً بإيقاف الخراب؟
سقوط فاشر السلطان يعني سقوط الوطن بأكمله.
هنا لا نتحدث عن إعمار أو عودة الحياة مادامَت المدينة تُبَاد وتُنهك.
النصر الذي تحقق ليس نهاية الطريق بعد، والفاشر ما زالت تواجه الخطر الحقيقي، والمناشدات ليست للتساهل أو للمزايدة، بل لتحريك الضمائر قبل فوات الأوان.
“لن يسمع العالم صوت الوطن، ولن يشعر بالموت والدمار إلا نحن؛ نحن وحدنا القادرون على حماية السودان، وإحلال السلام بسحق كل من حاول هلاك هذا الوطن.
والفاشر تظل الشمعة التي تنير الطريق، والدماء التي سالت لن تضيع هباءً، بل تبني درب البطولة لكل من يحب السودان.”
سلامٌ على الفاشر حين قاومت،
وسلامٌ على رجالها حين انتصروا،
وسلامٌ على كل أمٍّ ودّعت ابنها ثم سجدت لله شكرًا حين رأت النصر يتحقّق.
سلام وأمانٌ فَالعدل ميزان
✦ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد
✦ توقيع لا يُنسى:
أنا الرسالة حين يضيع البريد
أنا امرأة من حبر النار
