الجمعة, مارس 20, 2026
الرئيسيةمقالاتالاقتصاد السوداني بين التضخم والانكماش والتحديات النقدية 2023-2025. ...

الاقتصاد السوداني بين التضخم والانكماش والتحديات النقدية 2023-2025. بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد


يواصل الاقتصاد السوداني رحلة صعبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، في ظل أزمة حادة تتمثل في ركود كبير، تضخم مفرط، وانخفاض مستمر في قيمة الجنيه السوداني. فقد شهدت السنوات الأخيرة ركوداً عميقاً في الناتج المحلي الإجمالي، وانكماشاً في النشاط الاقتصادي، مع تضخم بلغ مستويات كارثية.
فعلى سبيل المثال، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من -29.2% في 2023 إلى -12.7% في 2024، ما يشير إلى تحسن نسبي، لكنه يظل انكماشاً حاداً يوضح هشاشة الاقتصاد. بالموازاة، استمر التضخم المفرط في التأثير على القدرة الشرائية، حيث تراجع معدل التضخم من 215.5% في سبتمبر 2024 إلى 187.8% في ديسمبر، قبل أن يعود للارتفاع مجدداً ليصل إلى 83.05% في أغسطس 2025، ما يعكس بيئة اقتصادية متقلبة ومليئة بالضغوط المالية.
القطاع النقدي: توسع نقدي يرافقه تضخم مستمر
شهد القطاع النقدي السوداني توسعاً كبيراً في عرض النقود (M2)، الذي نما من 12.38 تريليون جنيه في سبتمبر 2024 إلى 14.48 تريليون في ديسمبر، ثم إلى 20.58 تريليون في أغسطس 2025. هذا التوسع السريع ساهم في تغذية الضغوط التضخمية، لكنه تزامن مع انخفاض النقد المتداول خارج البنوك من 2.12 تريليون إلى 1.73 تريليون جنيه، ما يشير إلى تحول أموال الأفراد نحو الودائع المصرفية.
الودائع المصرفية ارتفعت بشكل ملحوظ من 5.71 تريليون في ديسمبر 2024 إلى 16.33 تريليون في أغسطس 2025، في حين نمت أصول البنوك إلى 26.2 تريليون، مع توجيه جزء كبير من التمويل للقطاع الخاص نحو الزراعة والصناعة والصادرات. هذه التحركات تعكس محاولة النظام المصرفي دعم النشاط الاقتصادي، لكنها لا تزال غير كافية لمواجهة الضغوط التضخمية وهيمنة العجز المالي.
القطاع الخارجي: عجز متسع وصادرات متراجعة
يعكس القطاع الخارجي صورة الاقتصاد السوداني الأكثر هشاشة، فقد نما عجز الحساب الجاري من 2.35 مليار دولار في 2023 إلى 3.93 مليار دولار في 2024 (+67%)، نتيجة عجز كبير في حساب الدخل الأولي والثانوي وتراجع التحويلات الخارجية.
الصادرات انخفضت من 3.63 مليار دولار إلى 3.13 مليار دولار، مع استمرار هيمنة الذهب (1.57 مليار دولار) والماشية (533 مليون دولار) والسمسم (330 مليون دولار) على الإيرادات. بالمقابل، انخفضت الواردات بشكل حاد من 7.50 مليار دولار إلى 4.91 مليار دولار، ما يعكس انكماشاً اقتصادياً شديداً ونقصاً حاداً في العملات الأجنبية.
تدفقات رؤوس الأموال أظهرت صافي خروج 581.7 مليون دولار في الربع الرابع من 2024، مؤشراً على ضعف ثقة المستثمرين وهروب الأموال من الاقتصاد المحلي.
أسعار الصرف وقوة الجنيه
استمرار انهيار قيمة الجنيه السوداني يضيف ضغوطاً إضافية على الاقتصاد. ففي ديسمبر 2024، وصل سعر الصرف الرسمي إلى 2,073.2 جنيه للدولار، وارتفع إلى 2,428 جنيه في أغسطس 2025، بينما تجاوز السعر في السوق الموازية 3,600 جنيه. هذا الانخفاض الحاد يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية ويزيد تكلفة الاستيراد، ويعكس هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
تحليل شامل
الجمع بين الانكماش الاقتصادي، التضخم المرتفع، وانخفاض قيمة الجنيه، يخلق حلقة مفرغة من الضغوط النقدية والمالية. توسع عرض النقود وتمويل العجز الحكومي يواصل تغذية التضخم، في حين أن ضعف الصادرات وانكماش الواردات يعزز العجز في الحساب الجاري، ويحد من قدرة الاقتصاد على التعافي.
النشاط المصرفي يشير إلى محاولة مواجهة هذه الضغوط، مع نمو الودائع وتمويل القطاع الخاص، لكن هذا وحده لا يكفي لموازنة تأثيرات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي أدت إلى انهيار الاستثمارات الخارجية والتحويلات المالية.
الزبدة
يبقى الاقتصاد السوداني عالقاً في بيئة غير مستقرة، حيث:
• الركود الاقتصادي لا يزال عميقاً، رغم تحسن طفيف في معدل الانكماش.
• التضخم مستمر في مستويات مرتفعة، مع زيادات شهرية متكررة.
• الجنيه السوداني يواجه انخفاضاً حاداً في القيمة، ما يزيد من صعوبة التمويل والاستيراد.
• عجز الحساب الجاري وانخفاض الصادرات يمثلان تهديداً مستمراً للسيولة والأمن الاقتصادي.
بدون إحلال السلام في ربوع السودان ستظل فرص الاستقرار الاقتصادي ضئيلة للغاية، وستبقى التحديات المالية والنقدية مترابطة ومعقدة، مهددة بخلق صدمات جديدة على المدى القريب.
توصيات لمواجهة التحديات الاقتصادية

  1. إصلاح السياسات النقدية
    • ضبط حجم المعروض النقدي للحد من التضخم، مع اعتماد سياسات نقدية تركز على الاستقرار السعري.
    • تحسين التنسيق بين البنك المركزي والمالية العامة لتجنب تمويل العجز عبر الطباعة النقدية.
  2. تعزيز النشاط الاقتصادي والإنتاج المحلي
    • دعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة لزيادة الناتج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
    • توفير تسهيلات تمويلية مستهدفة للشركات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز فرص العمل وزيادة النشاط الاقتصادي.
  3. استقرار سعر الصرف وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي
    • توحيد سعر الصرف وتقليل الفجوة بين السوق الرسمية والموازية لتعزيز الثقة في الجنيه السوداني.
    • تشجيع التحويلات والاستثمارات الأجنبية لدعم الاحتياطيات بالعملات الأجنبية.
  4. تحفيز الصادرات وتنويعها
    • تنويع سلة الصادرات للحد من الاعتماد على الذهب والماشية والسمسم، وتشجيع الصناعات التحويلية.
    • تقديم حوافز للشركات المصدرة لتوسيع الأسواق الخارجية وزيادة الإيرادات بالعملات الأجنبية.
  5. إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي
    • تعزيز الشفافية والمصداقية في التعاملات المصرفية، وتشجيع الإذخار والاستثمار داخل النظام المصرفي الرسمي.
    • دعم البنوك لتقديم خدمات مالية مبتكرة لتوجيه التمويل نحو المشاريع الإنتاجية بدلاً من المضاربات قصيرة المدى.
  6. السعي نحو السلام والاستقرار السياسي
    • لا يمكن فصل التعافي الاقتصادي عن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، لذا يجب تكثيف جهود الحوار الوطني وإحلال السلام لضمان بيئة مواتية للاستثمار والنمو الاقتصادي.

الاقتصاد السوداني بين التضخم والانكماش والتحديات النقدية 2023-2025
بقلم: أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
يواصل الاقتصاد السوداني رحلة صعبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، في ظل أزمة حادة تتمثل في ركود كبير، تضخم مفرط، وانخفاض مستمر في قيمة الجنيه السوداني. فقد شهدت السنوات الأخيرة ركوداً عميقاً في الناتج المحلي الإجمالي، وانكماشاً في النشاط الاقتصادي، مع تضخم بلغ مستويات كارثية.
فعلى سبيل المثال، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من -29.2% في 2023 إلى -12.7% في 2024، ما يشير إلى تحسن نسبي، لكنه يظل انكماشاً حاداً يوضح هشاشة الاقتصاد. بالموازاة، استمر التضخم المفرط في التأثير على القدرة الشرائية، حيث تراجع معدل التضخم من 215.5% في سبتمبر 2024 إلى 187.8% في ديسمبر، قبل أن يعود للارتفاع مجدداً ليصل إلى 83.05% في أغسطس 2025، ما يعكس بيئة اقتصادية متقلبة ومليئة بالضغوط المالية.
القطاع النقدي: توسع نقدي يرافقه تضخم مستمر
شهد القطاع النقدي السوداني توسعاً كبيراً في عرض النقود (M2)، الذي نما من 12.38 تريليون جنيه في سبتمبر 2024 إلى 14.48 تريليون في ديسمبر، ثم إلى 20.58 تريليون في أغسطس 2025. هذا التوسع السريع ساهم في تغذية الضغوط التضخمية، لكنه تزامن مع انخفاض النقد المتداول خارج البنوك من 2.12 تريليون إلى 1.73 تريليون جنيه، ما يشير إلى تحول أموال الأفراد نحو الودائع المصرفية.
الودائع المصرفية ارتفعت بشكل ملحوظ من 5.71 تريليون في ديسمبر 2024 إلى 16.33 تريليون في أغسطس 2025، في حين نمت أصول البنوك إلى 26.2 تريليون، مع توجيه جزء كبير من التمويل للقطاع الخاص نحو الزراعة والصناعة والصادرات. هذه التحركات تعكس محاولة النظام المصرفي دعم النشاط الاقتصادي، لكنها لا تزال غير كافية لمواجهة الضغوط التضخمية وهيمنة العجز المالي.
القطاع الخارجي: عجز متسع وصادرات متراجعة
يعكس القطاع الخارجي صورة الاقتصاد السوداني الأكثر هشاشة، فقد نما عجز الحساب الجاري من 2.35 مليار دولار في 2023 إلى 3.93 مليار دولار في 2024 (+67%)، نتيجة عجز كبير في حساب الدخل الأولي والثانوي وتراجع التحويلات الخارجية.
الصادرات انخفضت من 3.63 مليار دولار إلى 3.13 مليار دولار، مع استمرار هيمنة الذهب (1.57 مليار دولار) والماشية (533 مليون دولار) والسمسم (330 مليون دولار) على الإيرادات. بالمقابل، انخفضت الواردات بشكل حاد من 7.50 مليار دولار إلى 4.91 مليار دولار، ما يعكس انكماشاً اقتصادياً شديداً ونقصاً حاداً في العملات الأجنبية.
تدفقات رؤوس الأموال أظهرت صافي خروج 581.7 مليون دولار في الربع الرابع من 2024، مؤشراً على ضعف ثقة المستثمرين وهروب الأموال من الاقتصاد المحلي.
أسعار الصرف وقوة الجنيه
استمرار انهيار قيمة الجنيه السوداني يضيف ضغوطاً إضافية على الاقتصاد. ففي ديسمبر 2024، وصل سعر الصرف الرسمي إلى 2,073.2 جنيه للدولار، وارتفع إلى 2,428 جنيه في أغسطس 2025، بينما تجاوز السعر في السوق الموازية 3,600 جنيه. هذا الانخفاض الحاد يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية ويزيد تكلفة الاستيراد، ويعكس هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
تحليل شامل
الجمع بين الانكماش الاقتصادي، التضخم المرتفع، وانخفاض قيمة الجنيه، يخلق حلقة مفرغة من الضغوط النقدية والمالية. توسع عرض النقود وتمويل العجز الحكومي يواصل تغذية التضخم، في حين أن ضعف الصادرات وانكماش الواردات يعزز العجز في الحساب الجاري، ويحد من قدرة الاقتصاد على التعافي.
النشاط المصرفي يشير إلى محاولة مواجهة هذه الضغوط، مع نمو الودائع وتمويل القطاع الخاص، لكن هذا وحده لا يكفي لموازنة تأثيرات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي أدت إلى انهيار الاستثمارات الخارجية والتحويلات المالية.
الزبدة
يبقى الاقتصاد السوداني عالقاً في بيئة غير مستقرة، حيث:
• الركود الاقتصادي لا يزال عميقاً، رغم تحسن طفيف في معدل الانكماش.
• التضخم مستمر في مستويات مرتفعة، مع زيادات شهرية متكررة.
• الجنيه السوداني يواجه انخفاضاً حاداً في القيمة، ما يزيد من صعوبة التمويل والاستيراد.
• عجز الحساب الجاري وانخفاض الصادرات يمثلان تهديداً مستمراً للسيولة والأمن الاقتصادي.
بدون إحلال السلام في ربوع السودان ستظل فرص الاستقرار الاقتصادي ضئيلة للغاية، وستبقى التحديات المالية والنقدية مترابطة ومعقدة، مهددة بخلق صدمات جديدة على المدى القريب.
توصيات لمواجهة التحديات الاقتصادية

  1. إصلاح السياسات النقدية
    • ضبط حجم المعروض النقدي للحد من التضخم، مع اعتماد سياسات نقدية تركز على الاستقرار السعري.
    • تحسين التنسيق بين البنك المركزي والمالية العامة لتجنب تمويل العجز عبر الطباعة النقدية.
  2. تعزيز النشاط الاقتصادي والإنتاج المحلي
    • دعم القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة لزيادة الناتج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
    • توفير تسهيلات تمويلية مستهدفة للشركات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز فرص العمل وزيادة النشاط الاقتصادي.
  3. استقرار سعر الصرف وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي
    • توحيد سعر الصرف وتقليل الفجوة بين السوق الرسمية والموازية لتعزيز الثقة في الجنيه السوداني.
    • تشجيع التحويلات والاستثمارات الأجنبية لدعم الاحتياطيات بالعملات الأجنبية.
  4. تحفيز الصادرات وتنويعها
    • تنويع سلة الصادرات للحد من الاعتماد على الذهب والماشية والسمسم، وتشجيع الصناعات التحويلية.
    • تقديم حوافز للشركات المصدرة لتوسيع الأسواق الخارجية وزيادة الإيرادات بالعملات الأجنبية.
  5. إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي
    • تعزيز الشفافية والمصداقية في التعاملات المصرفية، وتشجيع الإذخار والاستثمار داخل النظام المصرفي الرسمي.
    • دعم البنوك لتقديم خدمات مالية مبتكرة لتوجيه التمويل نحو المشاريع الإنتاجية بدلاً من المضاربات قصيرة المدى.
  6. السعي نحو السلام والاستقرار السياسي
    • لا يمكن فصل التعافي الاقتصادي عن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، لذا يجب تكثيف جهود الحوار الوطني وإحلال السلام لضمان بيئة مواتية للاستثمار والنمو الاقتصادي. saeed.abuobida5@gmail.com
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات