الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةمقالاتبين القاهرة وما بعدها… حين تعيد النساء كتابة طريق السلام ...

بين القاهرة وما بعدها… حين تعيد النساء كتابة طريق السلام بقلم الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد

ليست كلُّ الرحلات تُقاس بالمسافة، ولا كلُّ الورش تُختصر في قاعاتٍ مغلقة.
بعضها يبدأ من سؤال… وينتهي بتحوّل.
في القاهرة، لم تكن الأيام الثلاثة مجرد مشاركةٍ في ورشة حول تعزيز دور النساء في عمليات السلام، بل كانت مواجهةً مباشرة مع فكرةٍ ظلت مؤجلة طويلًا:

هل يمكن للسلام أن يُبنى فعلًا دون النساء؟
ضمن هذا السياق، جاءت الورشة التي دعمتها جهود وساطة تقودها مؤسسات دولية مثل Promediation، التي لا تعمل فقط على جمع الأطراف، بل على خلق مساحةٍ نادرة: مساحة يُسمع فيها الصوت المختلف دون أن يُقصى.

لكن الحقيقة التي لا تُكتب في التقارير الرسمية هي أن هذه المساحات لا تُولد بسهولة… بل تُنتزع من صمتٍ طويل.

🟦 ما وراء الطاولة
في القاعة، كانت الوجوه متعددة، والانتماءات متباينة، لكن ما جمع الجميع لم يكن الاتفاق… بل الحاجة إليه.
قيادات نسوية، وممثلون عن حركات كفاحٍ مسلح، وأصوات خرجت من قلب النزاع لا من هامشه، اجتمعوا حول طاولةٍ واحدة.

وهنا تحديدًا، تغيّر السؤال:
لم يعد: «كيف نُشرك النساء؟»
بل أصبح: «لماذا تأخرنا كل هذا الوقت؟»

وفي بعض اللحظات، لم تكن القاعة تشبه اجتماعًا سياسيًا بقدر ما كانت تشبه مساحة اعترافٍ جماعية… حيث تتحدث النساء عن الحرب لا بوصفها خبرًا، بل بوصفها شيئًا مرَّ من بيوتهن وقلوبهن.

🟦 حين تسقط التصنيفات
عادةً، نُصنّف الأشخاص وفق انتماءاتهم السياسية،
ونضعهم داخل حدودٍ ترسمها السياسات،
وتُضيّقها حسابات المصالح.
لكن، حين تجتمع النساء حول طاولةٍ واحدة…
يتغيّر كل شيء.
لا تعود الأحزاب هي العنوان،
ولا تصبح المواقف السياسية هي الفاصل،
بل يظهر وجهٌ آخر… أكثر صدقًا، وأكثر إنسانية.
ورغم اختلاف الخلفيات والانتماءات، بدا واضحًا أن الحرب تُسقط كثيرًا من المسافات بين النساء،

وتعيدهن إلى سؤالٍ واحد: كيف نحمي ما تبقّى من الوطن؟

🟦 نساء يشبهن الوطن
اجتمعت قيادات نسوية من مختلف الأحزاب السياسية،
لكن ما جمعهن لم يكن الانتماء… بل التجربة.
نساء عانين من الحرب،
كما عانت كل نساء هذا الوطن.
أمهات…
أخوات…
بنات…
قلوبهن معلّقة بأسرٍ تنتظر فقط أن يكنَّ بخير.
وفي كل واحدةٍ منهن كانت هناك حكاية:
حكاية مربية أجيال،
وزوجةٍ صالحة،
وصديقةٍ وفية،
وامرأة تحمل الوطن في تفاصيل يومها… لا في شعاراتها.

فالنساء لا يتحدثن عن السلام بوصفه اتفاقًا سياسيًا فقط، بل بوصفه قدرة الأم على النوم دون خوف، وقدرة الأطفال على الذهاب إلى مدارسهم، وقدرة الأسر على استعادة حياتها العادية.

ومن هنا، لم تعد مشاركة النساء في النقاشات مجرد حضورٍ رمزي، بل تحوّلت إلى حضورٍ يحمل معنى وتجربة ورؤية مختلفة للحياة والسلام.

🟦 النساء… من الهامش إلى مركز القرار
ما كشفته النقاشات بوضوح، أن النساء لم يعدن مجرد متأثرات بالحرب، بل أصبحن حاملاتٍ لأسئلة السلام.
ليس بوصفهن ضحايا،
بل بوصفهن فاعلات.
وفي لحظاتٍ كثيرة، بدا واضحًا أن التجربة التي تحملها النساء — في الصبر، وفي إعادة بناء الحياة، وفي ترميم المجتمع — هي ذاتها ما تحتاجه طاولة التفاوض.

فالسلام لا يحتاج فقط إلى من يوقّع…
بل إلى من يعرف كيف يُبقيه حيًّا.

🟦 رحلتي أنا… بين الدور والصوت
بالنسبة لي، لم تكن هذه المشاركة مجرد مهمةٍ إعلامية،
بل كانت اختبارًا للصوت… وللموقع… ولمعنى أن أكون شاهدةً لا ناقلةً فقط.
أن تكتب من داخل التجربة، يختلف عن أن تكتب عنها.
فهناك تفاصيل لا تُرى… لكنها تُشعَر،
وهناك تحولات لا تُقال… لكنها تبقى.

وربما لهذا تبدو الكتابة عن السلام مهمةً صعبة؛ لأن بعض ما يحدث داخل هذه المساحات لا يمكن نقله كاملًا بالكلمات، بل يُترك أثره في الإنسان نفسه.

🟦 ما الذي بقي؟
انتهت الورشة… لكن الأسئلة لم تنتهِ.
بل ربما بدأت للتو.
هل ستتحول هذه النقاشات إلى سياساتٍ حقيقية؟
هل ستجد النساء موقعهن الحقيقي في مسارات التفاوض؟
أم ستظل المشاركة عنوانًا جميلًا بلا أثرٍ عميق؟

🟦 ما بعد القاهرة
ما حدث في القاهرة لم يكن حدثًا معزولًا،
بل جزءًا من مسارٍ أكبر…
مسار يعيد تعريف من يصنع السلام، وكيف يُصنع.
وفي هذا المسار، يبدو واضحًا أن المستقبل لن يُكتب بالأدوات القديمة نفسها.
هناك أصواتٌ جديدة تتشكل،
وواقعٌ يفرض نفسه،
ونساء لم يعدن ينتظرن الإذن للمشاركة.

🟦 أخيرًا
ليست القضية أن نضيف النساء إلى طاولة السلام…
بل أن نعيد تشكيل الطاولة نفسها.

سلامٌ على وطنٍ لا يكتمل إلا بالنساء،
وعلى عدلٍ يجعل من الكلمة ميزانًا…
هكذا أكتب، وهكذا يبقى الأثر.
سلامٌ وأمان… فالعدل ميزان.

وهنا …
من نساءٍ يشبهن الوطن،
ومن سلامٍ لا يكتمل إلا بهن،
أكتب… ويكتب الوطن معي.

✦ توقيع لا يُنسى ✦
أنا الرسالة حين يضيع البريد،
أنا امرأةٌ من حبر النار.
✒️ عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات