منذ اندلاع الحرب في السودان ، ظل المجتمع الدولي يتأنب ضميره بصوتٍ مرتفع تجاه ما آلت إليه أوضاع المدنيين ، يرفع الشعارات الإنسانية ، ويطلق النداءات المتكررة بضرورة وقف إطلاق النار ، وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات ، للوهلة الأولى يبدو المشهد إنسانياً بحتاً ، لكن بقراءة متأنية لمسار الأحداث ، تكتشف أن هذه الدعوات غالباً ما تأتي متزامنة مع لحظات اشتداد ضغط الجيش على المليشيا ، ومع اقتراب الحسم في مناطق استراتيجية.
لقد رأينا ذلك جلياً عندما سيطرت المليشيا على الخرطوم والجزيرة وسنار ، آنذاك علت أصوات المنظمات الإنسانية الممولة من دول راعية لمشروع الفوضى في السودان ، تطالب بوقف إطلاق النار لدواعٍ إنسانية ، إلا أن ذات الأصوات لم ترتفع مطالبة بإنقاذ المدنيين ، من بطش المليشيا وجرائمها اليومية في النهب ، والقتل ، والاغتصاب ، والتهجير القسري ، ولسان حال المواطنين في تلك الولايات ، كان يقول نحن نحتاج لمن ينقذنا من المليشيا لا من الجوع وحده.
وحينما نجح الجيش في تحرير الخرطوم وولايات الوسط ، وتم تأمين هذه الولايات عاد الآلاف إلى مناطقهم ، رأينا كيف خفتت تلك الأصوات فجأة ، وكأن خطر المجاعة الذي ظلّت المنظمات تتحدث عنه ، قد زال بين ليلة وضحاها ، والسؤال البديهي هل قامت المليشيا خلال فترة سيطرتها على هذه المناطق بزراعة الأرض ، وتأمين المخزون الغذائي ، وتجهيز المؤن ، أم أنها كانت تسرق قوت الناس وتستبيح ممتلكاتهم ، الحقيقة أن تغيير المواقف بين يوم وليلة يفضح جوهر الحملة ، إذ لم تكن لأجل إنسان السودان ، بل لأجل إطالة عمر المليشيا .
اليوم ومع كل تقدّم يحرزه الجيش في تخليص المواطنين من بطش المليشيا في بقية الولايات ، تتكرر ذات المشاهد ، تصاعد أصوات دولية ومنظمات إنسانية تطالب بوقف إطلاق النار ، بذات الحجج و الذرائع الإنسانية ، غير أن السودانيين ، وقد خبروا من قبل تجار الأزمات ، صاروا أكثر وعياً بأن ما يسمّى بالمساعدات الإنسانية ، ماهو إلا غطاءً لإمداد المليشيا بعتاد حربي وتشوين يطيل عمرها ، ويمنحها فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.
لذلك فإن على الحكومة السودانية أن تتعامل بحذر شديد مع هذه الدعوات ، وألا تنخدع بالشعارات المضللة ، فالمعركة ليست بين رغيف خبز وجندي ، بل بين مشروع دولة يسعى لحماية سيادتها واستقرارها ، ومليشيا إرهابية لا تعيش إلا على الخراب ، وإذا كان المجتمع الدولي يملك قلوباً رحيمة ، فأين كانت تلك القلوب عندما كان أهل الخرطوم والجزيرة وسنار يستغيثون تحت نار المليشيا ، أين كانت قلوبهم الرحيمة ، عندما قُطعت الإمدادات ، ونُهبت البيوت ، وتحوّلت المدن إلى ثكنات للفوضى.
إن أخطر ما في المشهد هو تحويل المعاناة الإنسانية ، إلى ورقة سياسية لإطالة الحرب ، وتوظيف الجوع والمرض كسلاح بيد المليشيا ، والواجب الوطني يقتضي فضح هذه المخططات ، وتأكيد أن الحسم العسكري وحده هو الطريق الحقيقي لإنقاذ الشعب ، أما المساعدات الموجّهة بانتقائية وتسييس فلن تكون سوى جسر لإبقاء المليشيا حيّة على حساب دماء السودانيين…لنا عودة.