في زمن الشدائد والانكسارات، تتمايز الأقلام بين من يكتب للحق ومن يكتب للسلطان. لم يعد الخطر في المؤسسات فحسب، بل في بعض الصحفيين الذين اختاروا طمس الحقيقة طوعًا، وتحويل أقلامهم إلى أدوات تلميع تخدم “فلان”، ولو على حساب الوطن الجريح.
إن أخطر ما يواجه الإعلام ليس غياب الحرية فقط، بل غياب الضمير لدى من يملكون أدوات التأثير. فبعض الصحفيين اليوم باتوا يلهثون خلف المسؤولين وأصحاب المال، لا بحثًا عن الحقيقة، بل طمعًا في “فتات” يُلقى إليهم، في مشهد مؤسف من الانكسار المهني والذل الإنساني.
ولا يتوقف الابتذال عند حدود الكلمة، بل يمتد ليشمل الشكل والمضمون، في ظاهرة بدأت تنتشر بين بعض الصحفيات، حيث يُستَخدَم الشكل الخارجي أداة للتمرير والتقرب، بينما يُفرَّغ المحتوى من مضمونه الجاد ليُستبدل بالتطبيل والإثارة والمصطلحات الباهتة. ابتذال لا يُسيء إلى صاحباته فحسب، بل يسيء إلى المهنة كلها، ويُضعف ثقة الجمهور في الإعلام كأداة رصينة ومسؤولة.
لقد أصبح بعض الصحفيين جزءًا من آلة التضليل، يُنظّرون للمظلومية الزائفة، ويهاجمون الشرفاء، ويتاجرون بأوجاع الشعب. يُلبسون الباطل ثوب الحكمة، ويصفّقون للانكسار على أنه انتصار، ويوجهون أقلامهم نحو من يقول الحقيقة، وكأنهم في معركة مع الصدق.
كيف لمن يحمل صفة “الصحفي” أن يتحول إلى خنجر في ظهر المهنة؟ كيف يقبل أن يكون مجرد بوق يُردد ما يُملى عليه؟ أليس من العار أن يسقط القلم في مستنقع التبعية، وأن يتحول الكاتب إلى عبدٍ لمصلحة شخصية أو أجندة سياسية؟
آخر الكلام:
لكن، ورغم كل هذا الزيف، ما زال هناك صحفيون وصحفيات شرفاء، يكتبون بمداد الضمير، لا بمداد المصالح. يرفضون الركوع أمام المال، ويقفون في وجه السلطة حين تنحرف، ولا يخافون في الحق لومة لائم.
فهؤلاء هم من تبقى لنا من شرف المهنة، ومن صدق الكلمة، ومن نور الحقيقة.