في خضم الأحداث المتسارعة التي تمر بها بلادنا، تزداد أهمية الالتزام بالمهنية والوعي الوطني، خصوصًا في مهنة الصحافة التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية لأي مجتمع حر ومسؤول. فالصحفي هو شاهد العصر، وناقل الحقيقة، وحارس القيم الوطنية، ولكن الحقيقة نفسها تحتاج إلى حكمة في عرضها، وتقدير للزمان والمكان، ومعرفة عميقة بالخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
لكل دولة خصوصيتها وأسرارها، ولكل نظام سياسي حزمة من المداولات الداخلية والمشاورات الدقيقة التي تتم في الغرف المغلقة. هذه ليست أسرارًا عبثية ولا محاولات للتضليل، بل هي جزء من بناء القرار الوطني الذي يُصاغ بتوازن بين المصالح والمخاطر، ويُدار ضمن سياق أمني وسياسي حساس. تسريب مثل هذه المشاورات – سواء بحسن نية أو بسوء نية – يفتح الباب أمام الفوضى، ويعرض الأمن القومي للخطر، ويمنح أعداء الوطن مادة خصبة للاستغلال والتخريب.
للأسف، شهدنا في الآونة الأخيرة نماذج من تسريبات صحفية تناولت مداولات داخلية سرية، بعضها خرج للعلن بجهل، وبعضها بدوافع غير وطنية تخدم أجندات خفية. والنتيجة كانت دائمًا واحدة: تشويش على الرأي العام، وزعزعة للثقة في مؤسسات الدولة، وفتح جبهات داخلية لا طائل منها سوى خدمة أعداء البلاد.
من هنا، نوجه نداءً صادقًا للأجهزة المختصة في الدولة، لوضع إطار تشريعي وتنظيمي واضح يحدد الخطوط الحمراء لما يُنشر، ويبين للصحفيين والناشطين على حد سواء ما يجوز الخوض فيه وما يجب تجنبه. كما نؤكد أن الرقابة لا تعني تكميم الأفواه، بل حماية الوطن من الانهيار تحت وقع التفكك الداخلي وصراع الروايات.
ونخاطب إخوتنا الصحفيين: أنتم جنود الكلمة، فاجعلوها سلاحًا للبناء لا للهدم، وميزوا بين السبق الصحفي والإضرار بالوطن، وبين كشف الفساد وخيانة الأمانة. الوطن يحتاج أقلامًا شجاعة، نعم، ولكنه أيضًا يحتاج أقلامًا حكيمة تعرف أن هناك أسرارًا إن خرجت من سياقها، فإنها قد تفتك بوحدة البلاد.
فلنتقِ الله في وطننا، ولنجعل من الصحافة درعًا للوطن لا خنجرًا في خاصرته.