السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتبين النيل والناس: رسالة إلى والي النيل الأبيض ...

بين النيل والناس: رسالة إلى والي النيل الأبيض بقلم: الطيب الفاتح أحمد الشمبلي

في قلب السودان النابض بالحياة والتاريخ، حيث يعانق النيل الأبيض ضفاف القرى والبلدات، يعيش الناس هناك بين فيض الحياة وقلق المصير. ولاية النيل الأبيض، التي لطالما وُصفت بأنها “سلة غذاء الوطن”، تحولت في زمن الحرب إلى ساحة عبور للمُهجّرين، ومركز ضغط ديمغرافي وخدمي، ومرآة صافية لما تعانيه أطراف البلاد من تهميش بنيوي، وسوء إدارة مزمن، وانعدام للرؤية التنموية.

هذه الولاية التي تحمل عبء تأمين الغذاء والماء، تواجه اليوم أزمات متشابكة تتطلب إدراكًا عميقًا وحلولًا جذرية. فالمشكلات لا تقتصر على نقص الموارد فحسب، بل تتعداها إلى خلل إداري وتغاضي عن حق الإنسان في حياة كريمة.

ومن بين هذا الركام، يقف الحاكم الجديد للولاية في اختبار مصيري لا يشبه أي اختبار سابق. اختبار لا يُقاس بعدد الزيارات الميدانية أو التصريحات الإعلامية، بل بمدى إنصاته لأوجاع الناس وصدقه في ترجمة تلك الأوجاع إلى سياسات فاعلة وواقعية. فهذه ليست ولاية عادية في زمن عادي، بل هي ولاية تقع على خط التماس الإنساني، حيث تتقاطع أزمة النزوح مع انهيار الخدمات وغياب الدولة المركزية، لتشكل معادلة صعبة تتطلب قيادة متمكنة وذات رؤية.

منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، استقبلت النيل الأبيض مئات الآلاف من النازحين، قادمين من الخرطوم، وكردفان، ودارفور، في مشهد يفوق قدرة الولاية على توفير الغذاء، والسكن، والرعاية الصحية. لم ترافق هذه الأعداد الهائلة خطة طوارئ مركزية، ولا تضامن حقيقي من الدولة المفترضة، بل تُرك الناس لمصيرهم، ولجهود محلية متفرقة تفتقر إلى الأدوات والميزانيات اللازمة.

في ربك، يعاني المستشفى الرئيسي من نقص حاد في الكوادر الطبية والأدوية، مما يفاقم معاناة المرضى والمصابين. في كوستي، تضاعفت أسعار السلع الأساسية بفعل الطلب المتزايد وشح الإمدادات، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة. وفي المحليات ومدن الولاية وقراها، أصبح الحصول على مياه شرب نقية حلمًا بعيد المنال، ناهيك عن التعليم الذي انهار كليًا في كثير من القرى التي تحولت مدارسها إلى مراكز إيواء للنازحين.

لكن وسط هذا الظلام، هناك بصيص أمل ومسؤولية تاريخية تقع على عاتق من يتولى إدارة الولاية اليوم. فالوالي الجديد ليس مجرد حاكم إداري، بل هو شاهد وشريك إما في عملية الترميم والإصلاح أو في المزيد من الانهيار والتدهور. وهو مطالب بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ليس عبر الشعارات والخطابات، بل عبر سياسات عادلة لتوزيع الموارد، ودعم عاجل للقطاعات الحيوية، وخاصة الصحة والتعليم، وتنظيم وتنسيق فعّال مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية.

النيل الأبيض ليست ساحة خلفية للخرطوم، ولا معبرًا مؤقتًا لضحايا الحرب، بل هي مجتمع حي، له ذاكرته، وتاريخه، وله حقوقه التي لا تقبل المساومة. فلتكن البداية من الاعتراف بأن إنسان هذه الولاية لا يريد صدقات أو دعمًا مؤقتًا، بل يريد دولة عادلة تعترف بحقه في الحياة والكرامة.

وربما تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن يستوعبها من يحكم النيل الأبيض اليوم، أن الماء وحده لا يكفي، ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية تُنقذ الناس من العطش السياسي، والتصحر التنموي، والإقصاء الإداري المزمن.

بين النيل والناس حكاية مستمرة، لكن من يكتب فصولها الآن، قد يحدد مصير ولاية بأكملها، وربما يضيء طريق أمة تبحث عن موطئ أمل في أرضٍ أثقلتها الحرب وأنهكها النسيان.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات