ماذا نحتاج كي ننهض؟
أهي العدالة؟ أم المساواة؟ أم الرحمة في قلوبٍ سكنها الشر؟
أم الوحدة والعمل على دحر الخطر من حياتنا؟
وهل يكفي أن نشعر باقتراب الخطر، لنتظاهر بالتكاتف؟
نهتف معًا ضد العدو، وما إن يطلّ النصر،
حتى تعلو الأصوات تطالب بالراية،
ويُعلَن شرف المحاولة،
رغم أن الصفوف تمتلئ بالخونة،
بأصحاب الوجهين والمصالح،
بمن يملكون الحقوق،
وبمن يملكون المبادئ،
وبمن يملكون الشر ذاته!
ويُضاف إلى الصفوف: أصحاب الأجندات، أصحاب الحقد التاريخي، أصحاب الجيوب المنتفخة بالدم، الذين لا وطن لهم سوى مصلحتهم.
تصبح المعادلة موجعة،
والثمن غالٍ… غالٍ جداً…
أرواحٌ تُزهق، حتى تلك التي لم تبصر النور بعد!
وتبدأ الحكاية عن وطنٍ… هو وطني.
وطن جمعنا، فهتفنا: “ثورة!”
لكننا لم ندرك معناها،
فسرنا في مسارٍ نحسبه الحق،
وفيه طمعٌ وجشعٌ وسخطٌ وغضب،
وفيه تقسيم، إحلال، ظلم، وفساد…
حتى بات الهواء فاسدًا من كثرة من استلذّوا الفساد فينا.
كلٌّ يرسم قانونًا،
شرق يطالب بما يشاء، يُلوّح بالموارد ويراهن على موازين القوى،
وجنوب أعلن انفصال، وعاش بين الشعور بالانتصار والخذلان،
وغرب دُفن تحت الرمال، قُتلت فيه الأحلام كما تُدفن الجثث في صمت،
وشمال انشغل بين إعمارٍ لا يشبه أهل الدار، وعاصمةٍ اغترّت بجمالها،
قالت: “من مثلي؟” وهي لا تعلم أن المرآة خدّاعة!
مبادرات، قوميات، أحزاب،
وكلنا نعلم من الخائن،
لكن لا مجيب لنداء!
أصبح الظلم وحشًا يلتهم كل شيء،
حتى شرّعنا أن الشرّ… حلال.
وفي ليلةٍ، كانت تلك النهاية:
قصة لا نعلم فيها من هو الفارس،
ومن هو الخائن،
حربٌ نزلت كغضبٍ من آلة الكون،
وفي داخلها… درسٌ، ووحدة، وأملٌ، وتحسين، وتهذيب…
وفي قلب تلك الحرب،
ظهرت وجوه تلميذٍ كان مثالًا للخيانة، والضعف، والتشتت.
تلميذٌ أعمى، لا يرى إلا ذاته،
أصمّ لا يسمع صوت الأمهات وهنّ يصرخن،
أبكم حين وجب الكلام،
فاقدٌ للإحساس،
يمثل جيلًا كاملًا تربّى على الشكّ، والتردد، واللامبالاة،
يرتدي قناع الولاء لكنه يبيع الكلمة عند أول مزاد!
إنه تلميذ… لكنه تلميذٌ خائن،
وفي داخله مئات القصص… عن الذين سقطوا دون أن يفهموا لماذا!
لكن من يتعلّم الدرس؟
إذا كان التلميذ أعمى، أبكم، أصم،
يفتقر إلى الإحساس،
بل يفتقر إلى كلّ شيء!
قسّمنا أنفسنا إلى فئات وكتائب،
سميّنا أنفسنا ثوارًا، وأبطالًا، ومصلحين،
لكننا في الحقيقة كنا نُشهر السيوف في وجه بعضنا البعض.
كلٌّ يدّعي أنه في الطريق الصحيح،
شعارات، هتافات، وولاءات مصنوعة من ورق.
تلميذٌ يساوم، يطالب بالبقاء،
ومن خان، تُوِّج ونُصِّب،
ومن باع، كوفئ،
ومن هتف… والخبث مذهبه…
كرّمه الثبات، ونصّب فينا أميرًا!
أما دعاة الدين،
أصحاب الرايات الخضراء، الصفراء، الحمراء،
اجتمع فيهم كل ألوان الطيف،
لكل طريقةٍ شيخ، وورد، وذكر، وأذكار،
وصلوات على الحبيب بالألف والآلاف…
لكن أين هم؟
أصبحوا جُلاسًا لا حُرّاسًا،
أجزاءً لا أساسًا،
خرست أفواههم… لم يعلُ منهم صوت!
مع العلم أن فيهم من قدّم روحه شهيدًا،
مات في الساحات، في المساجد، في الخنادق،
لكن لماذا لا يجتمع من بقي منهم؟
لماذا لا ترفع الأكفّ جميعها بالدعاء؟
أين هم أصحاب البركات، أهل السّير والمجاهدات؟
أين أصحاب الطريق؟
السودان فيه أكثر من ست وسبعين طريقة صوفية،
من القادرية، إلى التيجانية، إلى السمّانية، والختمية، والبرهانية، والأنفاسية وغيرها…
كلهم يدّعون الوراثة عن الأولياء…
فأين دورهم في رفع البلاء؟
لماذا لا يصعد الدعاء إلى عنق السماء؟
لماذا خفت النداء؟
أعود إلى تلميذي المعجزة،
ذلك الذي فقد كل شيء،
وما زال يتنفس،
ويطالب: حرية، عدالة، سلام…
لكن ألا يدرك أنه هو من استباح كل شيء؟
أنه سكت حين وجب الصراخ؟
أن صمته قتل أممًا؟
أن جبنه ساعد في بيع الوطن؟
أيها التلميذ، أنت تمثّل القضية كلها،
قضية جيلٍ كان يجب أن يكون الثورة… فصار المهزلة!
لن تنتهي الحرب،
ولن يعمّ السلام،
ما دام الكل يمتصّ دم الآخر،
ويدّعي البراءة!
جعلنا من معاناة الآخرين تجارةً رابحة،
ومن المواساة مشهدًا في مسرحية،
مخرجها يعاني من انفصام الشخصية!
تلذّذنا بقتل النفس،
رغم أننا نحمل ضميرًا في أعماقنا،
جعلنا منه غولًا نُرهب به كل صاحب فكر،
ندّعي الفهم، وندفع الثمن…
دماء، شرف، نساء،
وأرض تُباع في مزادٍ علني،
ونوقّع على البيعة من أجل “أمان” لم نذق طعمه!
كم كان الوطن حلمًا…
كم كانت العدالة نورًا…
كم كان السلام مجرد سلام على كفّ يدٍ
قَتلت تلك الأحلام!
لن تنتهي الحرب…
ولن يُعلَن الخلاص…
لأن الحرب حربُ النفوس،
وقد بِيعَت النفوسُ للشيطان.
حتى عندما نزحنا،
تبدّلت الجلود،
وظهرت الوحوش،
أصحاب لا دين…
والدين دين الله،
أقلام تُباع،
وأخرى تُباد،
صراع هنا…
وبيع هناك…
ولم نكتفِ بما حدث!
القادم؟ ضاقت فيه فُرص النجاة.
لن أقول: “نرجع إلى الله”
لأن كل نفسٍ تُدرك معنى الرجوع.
لن أقول: “نصبر”،
ولا “نسترد دماء الشهداء”،
ولا حتى: “نحرر الوطن”،
فالوطن قد تحرر… وتبرأ منا.
وإذا تبرأ الوطن، فمَن يحتوينا؟
إذا لفظتنا الأرض التي أنجبتنا، فمن يحتملنا؟
وإذا صار الدم ماءً… فعلى أي ضمير نُقسم؟
سلام وأمان فالعدل ميزان.