السبت, أكتوبر 31, 2026
الرئيسيةمقالاتصرخة نملة في أذن حكومة الأمل.. لا تتركوا هيئة النزاهة حبرا على...

صرخة نملة في أذن حكومة الأمل.. لا تتركوا هيئة النزاهة حبرا على ورق. بقلم/ د. الشاذلي عبداللطيف

في قصة النملة مع نبي الله سليمان عليه السلام، درس عظيم في فلسفة الحكم وحكمة القيادة. فقد أطلقت مخلوقة صغيرة صرخة تحذير، فبلغ صوتها ملكا عظيما، فتبسم من قولها. وهكذا تكون القيادة الرشيدة، تسمع صوت الضعفاء قبل ضجيج الأقوياء، وتستجيب للتحذير قبل وقوع الخطر.

ومن وحي تلك الحكمة، نطلق اليوم صرخة نملة في أذن حكومة الأمل، صرخة محبة للوطن، وحرص على الدولة، واستنهاض لمسؤولية لا تحتمل التأجيل.

لقد استبشرنا خيرا بقرار رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، القاضي بتعيين الفريق شرطة عابدين الطاهر رئيسا لهيئة النزاهة والشفافية، وتوجيه الوزارات المختصة باتخاذ إجراءات التنفيذ على وجه السرعة.

وهو قرار يستحق الإشادة، لأنه يلامس واحدة من أخطر جبهات الأمن القومي السوداني، جبهة حماية المال العام وصيانة مؤسسات الدولة من الفساد.

ونحن إذ نرحب بهذا الاختيار، فإننا نعول على ما نرجوه من خبرة الفريق عابدين الطاهر الأمنية والمهنية، في بناء جهاز رقابي قوي، يمتلك الشجاعة والاستقلال والكفاءة.

فالفساد في فلسفة الأمن الاستراتيجي ليس مجرد جريمة مالية، بل تهديد صامت لسيادة الدولة واستقرارها.

إن الدول قد تنتصر في ميادين القتال، ثم تخسر معركة البناء حين تتسلل المحسوبية إلى مؤسساتها، وتصبح العقود الحكومية أبوابا للمصالح، وتتحول الوظيفة العامة من تكليف وطني إلى امتياز شخصي.

والسودان الذي دفع أثمانا باهظة في حربه، لا يحتمل أن تستنزف موارده حرب أخرى عنوانها الفساد.

ولهذا فإننا نناشد حكومة الأمل أن تمنح هيئة النزاهة والشفافية استقلالها المؤسسي الفعلي، وصلاحياتها القانونية، ومواردها البشرية والتقنية، وأن تجعل منها جهازا وقائيا فاعلا، لا مجرد مؤسسة تضاف إلى الهياكل الإدارية.

نريد هيئة تراقب العقود والمشتريات العامة، وتتابع أموال الإعمار، وتكشف تضارب المصالح، وتحمي المبلغين، وتنسق مع الأجهزة العدلية لاسترداد الأموال المنهوبة، دون محاباة أو انتقائية.

ولا نريد نزاهة تقف عند أبواب صغار الموظفين، بينما تتوقف هيبة القانون أمام مكاتب كبار المسؤولين.

إن الشفافية الحقيقية لا تعرف الرتب ولا المناصب، والدولة التي تريد استعادة ثقة شعبها ومستثمريها، عليها أن تجعل المساءلة ثقافة حكم، لا مجرد شعار سياسي.

ورسالتنا إلى الفريق عابدين الطاهر أن أمامه فرصة تاريخية للإسهام في تأسيس مدرسة سودانية راسخة في النزاهة والحوكمة، يكون معيار نجاحها ما تحققه من حماية للمال العام وعدالة في المساءلة.

أما حكومة الأمل، فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه للسودان بعد الحرب، ليس إعادة بناء الجسور والمباني وحدها، بل إعادة بناء الثقة في ضمير الدولة.

فالجيش يحمي الوطن من العدوان الخارجي والتمرد المسلح، والنزاهة تحمي مؤسساته من التآكل الداخلي، ولا يكتمل أمن الدولة إلا بتكامل الحمايتين.

وتبقى صرخة النملة رسالة إلى كل مسؤول:

لا تجعلوا هيئة النزاهة والشفافية قرارا جميلا في دفاتر الحكومة، بل اجعلوها واقعا يخشاه الفاسد، ويحتمي به الشريف، ويطمئن إليه المواطن.

فالأوطان لا يحفظها السلاح وحده، وإنما تحفظها كذلك العدالة، ويحرسها القانون، وتصونها الأمانة.

#هيئة_النزاهة

#رقابة_المال_العام

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات