الإثنين, أغسطس 31, 2026
الرئيسيةمقالاتمعادلة الأمن والنفوذ: تفكيك الدور التشادي في ملف حرب السودان

معادلة الأمن والنفوذ: تفكيك الدور التشادي في ملف حرب السودان

تقرير:بدرالدين عبدالرحمن
ظلت التقارير الدولية والشواهد السياسية تشير،وبإستمرار إلى عدة أسباب وعوامل دفعت تشاد لتسهيل حركة الإمداد اللوجستي لصالح مليشيا الدعم السريع.
أبرز تلك الأسباب،يمكن إجمالها فيمايلي:

  • وجود أواصر قبلية عميقة وعابرة للحدود (مثل قبائل الزغاوة)، بين سكان إقليم دارفور،خاصة الذين يقودون مليشيا الدعم السريع في الوقت الحالي،وبين قيادات نافذة في تشاد.
  • الإعتقاد بأن سيطرة مليشيا الدعم السريع على إقليم دارفور الحدودي،قد تساعد الحكومة التشادية في منع أي تمرد محتمل لمعارضيها أو القبائل النافذة المتواجدة على الحدود.
  • الإستفادة من شبكات التهريب والمال السياسي الإقليمي، المرتبط بمرور الإمدادات اللوجستية والعسكرية وقوافل الوقود عبر الأراضي والمطارات التشادية (مثل أم جرس وأبشي وإنجمينا).
  • أدلة دولية دامغة تؤكد تورط تشاد فى حرب السودان:
    وفي السياق،وثقت تقارير أممية،وتقارير للجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن،أدلة تؤكد وجود رحلات جوية وقوافل برية تمر عبر الأراضي التشادية لدعم مليشيا الدعم السريع،التي تقاتل في إقليم دارفور.
    وكشفت تقارير أخري،ومصادر صحفية عن وجود تسهيلات قدمتها حكومة”محمد إدريس دبي”لفتح معسكرات تجنيد وتدريب قرب الحدود السودانية التشادية لدعم العمليات العسكرية.
    وقد شهدت المناطق الحدودية إستهدافاً لقوافل إمداد ومستودعات وقود،بالقرب من الأراضي التشادية بواسطة مسيرات قتالية خلال الفترة القليلة الماضية.وكان آخرها الرتل الضخم الذي ضرب فى الصحراء،بعد تجهيزه وتشوينه عسكريا بكل مايلزم بليبيا.
  • “تشاد”إستخدمت معبر “أدري”لتشوين المليشيا بالسلاح:
    تحليلات إستراتيجية ذات موثوقية كبيرة،أكدت أن تشاد إستخدمت معبر “أدري”الحدودي،بغرض توفير إمداد متواصل لمليشيا الدعم السريع،تحت غطاء إنساني دولي.حيث تم نقل السلاح والعتاد العسكري والمقاتلين الأجانب لصالح المليشيا خلال فترات طويلة ومتواصلة،خاصة وأن المعبر يقع فعلياً في مناطق تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع من الجانب السوداني.
    إلي ذلك،ووفقا لمختصين وتقارير قدمت للمنظمات الدولية،لم يعد الحديث عن تدخل الإمارات في الشأن السوداني من خلال تشاد حديثا سريا،فقد تضافرت الأدلة على ذلك،وليس أوضح من ذلك،ضبط جوازات سفر لخبراء ومستشارين إماراتيين في ميدان المعركة،سواء بعد إنسحاب مليشيا الدعم السريع من بعض المناطق،أو بعد دخول الجيش لها،لاسيما وأن الدعم السريع لم يعد يستطيع نفي هذه الإتهامات ولا الإمارت نفسها بمقدورها فعل ذلك وإن أصرت على الإنكار،كونها أدلة مثبتة ولاترقي للشك.
  • “الإمارات” أرسلت مئات الشحنات من الأسلحة عبر مطارات “تشاد”:
    ومابين هذه وتلك،تشكل تشاد أرضا خصبة،تمارس من خلالها الإمارات دورها الذى أرادت أن تلعبه فى السودان،إذ تستقبل مطاراتها “مئات”الشحنات الجوية،التى تحمل العتاد الحربي والأغذية لمليشيا الدعم السريع،ومن تشاد يدخل الإمداد إلى المليشيا التي لاتتواني في مهاجمة الأبرياء والمدنيين متجاوزة كل القوانين والأعراف.
    وفقا لتسلسل التدخل السافر لإنجمينا فى الشأن السوداني من خلال المليشيا،قدمت الحكومة السودانية شكوي ضد حكومة”محمد إدريس دبي”وضد الإمارات لتماديهما في العدوان الغاشم والمستمر ضد السودان.
    وإستنادا لصحيفة “نيويورك تايمز”،فإن تشاد خرقت القرار رقم(1591) و الخاص بحظر توريد السلاح الى دارفور.
    الصحيفة إرتكزت على تقرير لجنة الخبراء،وهى اللجنة المكلفة من الأمم المتحدة،بمراقبة تنفيذ القرار،وقد أورد محققو الأمم المتحدة في تقريرهم تفاصيل عمليات شحن الأسلحة الإماراتية الى مطار “أم جرس”فى تشاد، وأستشهدوا بأدلة(موثقة) على أن الإمارات مستغلة تشاد التي تنتهك حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على دارفور.
    وأوضحت الصحيفة:أن الإماراتيين يعملون على تضخيم حملتهم السرية، حيث يتم إطلاق طائرات بدون طيار ،من مطار “أم جرس” في تشاد ،وقد قامت الإمارات بتحويل المطار إلى ثكنة عسكرية مجهزة تجهيزاً جيداً. وتظهر صور الأقمار الإصطناعية،أنه تم بناء حظائر للطائرات وتركيب محطة تحكم بالطائرات بدون طيار،وقد توصل تحليل صحيفة “نيويورك تايمز” لبيانات تتبع الرحلات الجوية،إلى أن العديد من طائرات الشحن التي هبطت في المطار أثناء الحرب،كانت تنقل في السابق أسلحة من الإمارات إلى مناطق صراع أخرى، مثل ليبيا،حيث اتُهم الإماراتيون أيضًا بانتهاك حظر الأسلحة.
  • توتر العلاقات بين البلدين لم يكن وليد اللحظة:
    متابعون للشأن السياسي، أرجعوا توتر العلاقات بين تشاد والسودان إلى عوامل أمنية وتاريخية وقبلية متشابكة،ابرزها، إتهام الحكومة السودانية لتشاد بتقديم تسهيلات ودعم لوجستي أو السماح بمرور الإمدادات للجماعات المسلحة ومليشيا الدعم السريع،وهو ما قدمت بشأنه الخرطوم شكاوى رسمية.هذا إلي جانب تواجد مجموعات عرقية وقبلية ممتدة على جانبي الحدود،مثل قبيلة الزغاوة (التي ينتمي إليها قادة في تشاد)والقبائل العربية،فضلا عن تأثير التوازنات والولاءات القبلية وإختلاف المواقف تجاه الصراعات في إقليم دارفور،على الإستقرار الداخلي في تشاد وتغذية التوتر بين البلدين،إضافة إلي إن الحدود المشتركة تشهد إضطرابات أمنية مستمرة.
  • لتفكيك دور تشاد فى السودان يجب فهم شبكة المصالح المحيطة:
    “د. ميمونة سعيد أبورقاب”،
    الباحثة الإستراتيجية والكاتبة الصحفية،وفي معرض تعليقها على القضية التشادية،قالت:
    في قلب معادلة الحرب السودانية تبرز تشاد بحكم موقعها الجغرافي وروابطها الإجتماعية والإقتصادية مع دارفور. ومع استمرار الحرب، تحولت الحدود بين البلدين إلى مساحة تتداخل فيها حركة اللاجئين والمساعدات والأنشطة المسلحة وشبكات الإمداد. “د.ميمونة”أشارت الي ان حساسية الدور التشادي تزداد مع الإتهامات بإستخدام أراضيها وممراتها في إمداد مليشيا الدعم السريع.
    ومن منظور إدارة الأزمات، فإن الخطورة تكمن في إحتمال تحول الحدود التشادية إلى جزء من صراع إقليمي أوسع، بما يزيد تعقيد الحرب ويصعّب فرص إحتوائها.
    ومن هنا يبدأ التفكيك الحقيقي للدور التشادي في حرب السودان، فالسؤال الأكثر دقة هو: كيف تحولت الجغرافيا التشادية إلى جزء من معادلة الأمن والنفوذ في الحرب السودانية؟.
    وأول عناصر هذه المعادلة هو الجغرافيا،فالحدود المشتركة،ولا سيما في محيط دارفور،ليست حدوداً سياسية صلبة بالمعنى التقليدي،وإنما فضاءا تتداخل فيه العلاقات الإجتماعية والتجارية والأمنية.ولذلك فإن أي إضطراب في دارفور ينعكس بصورة مباشرة على الأمن التشادي،وأي تحرك عبر الحدود يمكن أن يؤثر في ميزان القوة داخل السودان.
    أما العنصر الثاني فهو الأمن الوطني التشادي، إنجمينا دائما تعبر عن قلقها من زاوية منع إنتقال الحرب إلى أراضيها، وإحتواء تدفقات اللاجئين، وحماية حدودها،والحفاظ على توازناتها الداخلية.إلا إن الظاهر يبدو غير ذلك.
    أما العنصر الثالث فهو النفوذ الإقليمي،فالحرب لم تعد تتحرك داخل حدود السودان،وإنما أصبحت مرتبطة بشبكات أوسع من التمويل والتسليح والحركة عبر الحدود. ولذلك أصبحت الأراضي والممرات والمعابر التشادية ذات قيمة إستراتيجية في مسار هذه الحرب.
    “د.ميمونة سعيد”أشارت الي إن العنصر الرابع هو التداخل بين العامل الإنساني والعسكري، فوجود الآف النازحين واللاجئين،والحاجة إلى إيصال المساعدات إلى دارفور،جعل بعض المعابر الحدودية ذات أهمية إنسانية وأمنية في الوقت نفسه.وهذه الإزدواجية تفرض تحدياً كبيراً:كيف يمكن حماية الممرات الإنسانية ومنع تحولها إلى مسارات تخدم العمليات العسكرية لصالح الدعم السريع؟.
    ومن هنا يجب التفريق بين تشاد كدولة،وتشاد كجغرافيا،وتشاد كساحة تنافس إقليمي.
    وبذلك يمكن إختصار المعادلة في أربعة مستويات:الجغرافيا التي تنتج الفرصة،والأمن الذي يحدد المصلحة،والنفوذ الذي يبحث عن أدوات التأثير،والحرب التي توفر البيئة التي تتفاعل فيها هذه العناصر.
    وعليه، فإن تفكيك الدور التشادي لا يبدأ بإصدار حكم على إنجمينا،بل بفهم شبكة المصالح المحيطة بها.فالسؤال الحاسم ليس فقط:هل تشاد طرف في الحرب؟وإنما من يستخدم الجغرافيا التشادية،وكيف، ولمصلحة من،وما الذي تستطيع الدولة التشادية التحكم فيه أو منعه؟.
    هذه هي الزاوية التي تجعل الدور التشادي مفتاحاً لفهم البعد الإقليمي للحرب السودانية،لأن الصراع لم يعد يُحسم بالمواجهة وحدها،بل يحسم أيضاً بمن يملك القدرة على التحكم في الممرات والحدود وشبكات النفوذ.
  • حكومة السودان حاولت إدارة ملف “تشاد” بشئ من الحكمة:
    وفي غضون ذلك،يرى الباحث والمحلل السياسي “أحمد قاسم البدوي”،أن الدور التشادي في الحرب السودانية،ساهم بشكل كبير في فرض كثير من التحديات الأمنية المرتبطة بتهريب السلاح وإستخدام الأراضي التشادية كممر لتدفق الأمداد العسكري لصالح مليشيا الدعم السريع.
    وبالمقابل ذهب”أحمدقاسم البدوي”إلى أن الحكومة السودانية،حاولت إدارة الملف الأمني في حدودها مع تشاد بشئ من الحكمة لعدد من الأعتبارات،أولها تحاشي الدخول في مواجهة أخرى في نفس الوقت الذي تقاتل فيه التمرد في دارفور،هذا فضلا عن مخاوفها من إنزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
    “احمد قاسم البدوي”ذهب في حديثه،إلى أن التعقيدات الجغرافية والإثنية المشتركة بين السودان وتشاد،والمتمثلة في الإمتداد الإثني للقبائل العربية في دارفور داخل تشاد،وإمتداد قبيلة الزغاوة كأكبر مكون إرتكبت مليشيا الدعم السريع فظائع في مجتمعاته،أدي من جانب آخر إلى نشاط شبكات التهريب المرتبطة بأطراف الصراع .
    وحذر “البدوي”من تطور المواجهة بين السودان وتشاد إلى مرحلة خطيرة، بعد إتهام الجيش التشادي للجيش السوداني بتنفيذ غارات جوية داخل الأراضي التشادية حتى لا تتوسع الحرب وتنتقل إلى دول الجوار.
    ولفت “البدوي”إلي أنه بالرغم من الدور التشادي الواضح في تقديم الدعم اللوجستي والعسكري للمليشيا عبر فتح أراضيها لخطوط الإمداد،إلا إن هذا الملف الأمني الحدودي الخطير،ينبغي معالجته عبر تحرك دبلوماسي وتحريك إجراءات قانونية أمام مؤسسات العدل الدولية.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات