تأتي موافقة جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة على دعم برامج التدريب المهني في السودان في خضم البحث عن مداخل حقيقية لإعادة إعمار السودان بعد الحرب، وذلك ضمن حزمة المساعدات الموجهة لمرحلة ما بعد الحرب، لتفتح نافذة مهمة في جدار التحديات، وتمنح مشروع الإعمار قوة دفع نحن في أمسّ الحاجة إليها.
فإعمار الأوطان لا يبدأ دائماً من الأبنية والطرق والجسور، ولكنه يبدأ قبل ذلك من الإنسان الذي سيبنيها. وهذه هي القيمة الحقيقية للتدريب المهني ، فهو لا يمنح الشاب شهادة فحسب، وإنما يمنحه مهارة، ويفتح أمامه باباً للعمل والإنتاج والكسب الحلال، ويخرجه من دائرة انتظار الوظيفة إلى فضاء صناعة الفرصة.
والسودان الخارج من حرب مدمرة يحتاج إلى ملايين الأيدي العاملة الماهرة في البناء والتشييد، والكهرباء، والميكانيكا، والسباكة، والطاقة، والزراعة، وتقنيات المعلومات، والصناعات المختلفة. ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم والتدريب المهني ليس عملاً اجتماعياً هامشياً، إنما استثمار مباشر في اقتصاد المستقبل.
والأهم من ذلك أن التدريب المهني قادر على إعادة تشكيل سوق العمل بعقول جديدة، أكثر انفتاحاً على المهنة وأكثر استعداداً للإنتاج. فالمجتمعات لا تنهض بكثرة الباحثين عن الوظائف، وإنما بكثرة القادرين على إيجاد القيمة وإضافة شيء جديد إلى دورة الاقتصاد.
لكن الفرصة الأكبر تكمن في ألا يتوقف المشروع عند حدود التدريب. فينبغي أن تكون هناك منظومة لاكتشاف النوابغ والمتفوقين بين هؤلاء الطلاب، ورعايتهم، ومنحهم مسارات استثنائية للالتحاق بالجامعات والمعاهد العليا، حتى لا تضيع مواهبهم بين محدودية الإمكانات وضيق الفرص.
فقد يكون بين طلاب التدريب المهني اليوم مهندس الغد، والعالم القادم، والخبير الذي يحتاجه السودان في الطاقة أو الزراعة أو الصناعة أو التكنولوجيا. وإذا أحسنّا اكتشاف هؤلاء ورعايتهم، فإننا لا نُخرج عمالة ماهرة فحسب، ولكننا نبني جيلاً من العلماء والخبراء الذين سيحملون مشروع النهوض الوطني على أكتافهم.
ولذلك ينبغي على الحكومة أن تنظر إلى مثل هذه المبادرات والشراكات العربية والدولية بعين مختلفة ، عين ترى فيها أكثر من مجرد دعم مالي أو فني. فمرحلة إعمار بلد أنهكته حرب بهذا الحجم تستوجب تفكيراً متقدماً، وشراكات ذكية، وحراكاً واسعاً على مختلف الجبهات، من التعليم والتدريب إلى الصناعة والزراعة والطاقة والتقنية.
كما أن للتدريب المهني أبعاداً اقتصادية واجتماعية وأخلاقية عميقة. فهو يوسع قاعدة الإنتاج، ويحد من البطالة، ويمنح الشباب أملاً عملياً في المستقبل، ويعزز قيمة العمل، ويفتح أبواب العفاف والكسب الحلال، ويحصّن المجتمع من الفراغ واليأس والانحراف.
إن دعم جامعة الدول العربية للتدريب المهني في السودان ينبغي ألا يُقرأ كمنحة عابرة، ولكن كإشارة إلى أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في إعادة بناء الإنسان السوداني، ومن ثم إعادة بناء الدولة.
فالسودان لا يحتاج بعد الحرب إلى أن يعيد بناء ما تهدم من الحجر فحسب؛ وإنما يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الإنسان، وتأهيل عقله، وصقل مهارته، وإطلاق طاقته.
وهنا تحديداً يبدأ الإعمار الحقيقي. فالجسور تُبنى بالحديد والإسمنت، أما الأوطان فتُبنى بالعلم والمهارة والإرادة والإنسان المنتج.
