نقف اليوم على ثرى السودان الطاهر، ونبعث ببطاقات العز والفخار الممزوجة بدموع الكبرياء إلى كافة الأجهزة النظامية وقوات شعبنا المسلحة الباسلة، والمقاومة الشعبية، وكل المرابطين في ثغور الوطن. ونخصّ بالترحم والدعاء خيرة شباب هذا الوطن، سرية الحرس الرئاسي الـ (35) بطلاً، الذين سطروا في صبيحة الخامس عشر من أبريل الملحمة الأبرز والأكثر حسماً في تاريخ البلاد العسكري، وقدموا أرواحهم الطاهرة فداءً للأرض والعرض ورمزية سيادة الدولة.
ففي تلك الليلة الرمضانية المنصرمة، بينما كانت المآذن تعج بالدعاء والأجواء مشبعة بالخشوع، كانت خيوط المؤامرة تُحاك في الظلام؛ حيث أعدّت مليشيا الدعم السريع المتمردة مخططاً خبيثاً جرى الترتيب له بدقة عالية ورعاية خارجية متطورة، يستهدف ابتلاع السودان واختطاف إرادته عبر عملية خاطفة تسعى لقتل أو أسر رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش. وحشَدت المليشيا لذلك أكثر من (600) سيارة مقاتلة مجهزة بأحدث أسلحة الراجمات، ومضادات الطيران، والدروع، والجرافات الهادمة، وكانت الخطة تقضي بالاندفاع نحو «بيت الضيافة» ومقر القيادة في الثامنة صباحاً لحسم المعركة خلال ساعات معدودة، وإعلان بيان الاستيلاء على السلطة لتسليم البلاد إلى أسرة طامحة ورعاة إقليميين ودوليين.
وعندما تبيّنت الملامح الأولى للهجوم الغادر، وجُمعت سرية الحرس الرئاسي لتنويرهم بالمهمة الفدائية الحاسمة، كان القرار واضحاً ولا يحتمل التراجع، وهو الصمود حتى آخر طلقة وآخر قطرة دم لحماية رمزية الدولة. وقفت هذه القوة القليلة في عددها، العظيمة بإيمانها، أمام قائدها اللواء ركن نادر المنصوري وقائد الحماية الميداني الشهيد العقيد أحمد الإمام النور، ولم يتردد الأبطال الـ (35) لحظة واحدة، بل تعاهدوا على الفداء وتوكّلوا على الله قائلين بثبات اليقين: «على بركة الله.. كلنا فداء لهذا الوطن الحبيب، وفداءٌ للسيد الرئيس». وباشر الأبطال فوراً تنفيذ “بيعة الموت”، واندفعت السرية لتشكيل صدّ دفاعي أسطوري أمام السور الغربي والمداخل الرئيسية لبيت الضيافة.
وعلى مدار أكثر من 10 ساعات متواصلة من القتال الضاري والنيران الكثيفة، واجه 35 جندياً وضابطاً من نخبة الحرس الرئاسي جحيماً لا يُطاق؛ حيث تعامل الأبطال بأسلحتهم الشخصية وعزيمتهم الصلبة مع مئات المركبات المقاتلة والقذائف الثقيلة، وتمكنوا من تدمير القوة المهاجمة على أسوار بيت الضيافة، وقتل وأسر العشرات من عناصر المليشيا المعتدية. واشتبك الرجال بجسارة وشكّلوا بأجسادهم دروعاً بشرية تحمي المقر، حتى شوهد القائد العام يقاتل في ذات الخندق جنباً إلى جنب مع حراسه، وبفضل هذا الصمود الأسطوري وتقديم الشهيد تلو الشهيد، تمكن اللواء المنصوري ورجاله من تأمين إجلاء القائد العام ونوابه إلى موقع قيادي آمن داخل القيادة العامة، ليتحطم مخطط الانقلاب كلياً.
وعلى أجساد هؤلاء الشهداء الـ (35)، تكسرت قلعة الخيانة، وتبددت أحلام مليشيات الشتات، وذهبت مخططات رعاتهم من بني زايد الصهيوني ومن شايعهم أدراج الرياح. لقد أثبتت تلك الساعات الخالدة أن قوة الإيمان بالوطن تهزم العتاد المتطور والتكنولوجيا العسكرية الغاشمة، وأن أرض السودان استعصت وستظل تستعصي على كل غازٍ ومأجور.
إن الأمن والأمان الذي نلمس تباشيره اليوم، والعودة التدريجية للديار، وصمود مؤسسات الدولة واستبسال قواتنا، ما هي إلا ثمرة وفدية لدماء هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى. لذا، فإن الواجب الوطني يحتم على كل سوداني وسودانية، من كل رجل وامرأة، وشاب وشابة، وعامل وموظف، وطبيب ومهندس، ووزير ومذيع، أن يقفوا جميعاً في كل شارع وفي كل طريق وحارة، لنلهج بالدعاء ونترحم على هؤلاء الشهداء الأبرار الذين دُفنوا داخل ثرى القيادة العامة ملتحمين بالتراب الذي أقسموا على حمايته.
نسأل الله العلي القدير أن يتقبل شهداء الحرس الرئاسي وشهداء القوات المسلحة والقوات النظامية والمستنفرين أجمعين، وأن يجعلهم في حواصل طير خضر يسرحون في الجنة حيث يشاؤون، وأن ينزل الصبر والسلوان على آلهم وذويهم، ويحفظ السودان وشعبه وجنوده الأوفياء.
