لم تكن مرحلة اللاحرب واللاسلم التي أعقبت هدنة عام 2022 مجرد توقف للعمليات العسكرية بل مثلت معادلة غير معلنة وفرت قدراً من الاستقرار الأمني والاقتصادي في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر. فقد تراجعت الهجمات العابرة للحدود وانخفضت مستويات التوتر وتحسنت توقعات الأسواق بينما ركزت المملكة العربية السعودية على تسريع تنفيذ مشاريعها التنموية الطموحة ضمن رؤية 2030 في ظل بيئة إقليمية أكثر استقراراً مقارنة بالسنوات السابقة.
غير أن التطورات الأخيرة خلال يوليو 2026 وما رافقها من تصاعد التوترات في البحر الأحمر تشير إلى أن تلك المعادلة أصبحت أكثر هشاشة. ولم يعد التحدي مقتصراً على احتمالات اتساع المواجهات العسكرية بل امتد إلى ارتفاع تكلفة المخاطر الاقتصادية وهو ما يجعل التداعيات الاقتصادية أكثر عمقاً واستدامة من آثار العمليات العسكرية نفسها.
البحر الأحمر… شريان التجارة العالمية
يمثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم إذ يربطان الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر قناة السويس ويمر عبر هذا المسار جزء مهم من التجارة العالمية إضافة إلى نسبة كبيرة من شحنات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية.
وأدى تصاعد التوترات الأمنية إلى ارتفاع المخاوف المرتبطة بحرية الملاحة وزيادة أقساط التأمين البحري ودفع عدداً من شركات الشحن إلى تحويل بعض رحلاتها عبر رأس الرجاء الصالح وهو ما أطال زمن الرحلات ورفع تكاليف النقل وأعاد ضغوط التضخم إلى العديد من الاقتصادات المعتمدة على التجارة البحرية. وتظل هذه التكاليف مرهونة بتقييمات شركات التأمين وحجم المخاطر الفعلية التي تواجه حركة الملاحة.
و بالتالي لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي استراتيجي بل أصبح مؤشراً حاسما على مستوى المخاطر التي تراقبها الأسواق العالمية وشركات التأمين والمستثمرون وصانعو السياسات الاقتصادية.
السعودية بين الأمن والتنمية
بالنسبة للمملكة العربية السعودية أصبح استقرار اليمن يمثل ضرورة اقتصادية إلى جانب كونه ضرورة أمنية فاستمرار تنفيذ مشاريع البنية التحتية العملاقة والتوسع في السياحة والخدمات اللوجستية وتعزيز مكانة المملكة كمركز استثماري عالمي وتحقيق رؤية 2030 جميعها تعتمد على استقرار البيئة الإقليمية وانخفاض مستويات المخاطر الجيوسياسية.
بالرغم من متانة الاقتصاد السعودي وقوة مؤشراته الأساسية الا ان استمرار التوترات يفرض تكاليف إضافية لتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية وتأمين المنشآت الاستراتيجية والحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد. كما أن ارتفاع المخاطر الإقليمية قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر بما ينعكس على تكلفة التمويل والتأمين حتى وإن ظل الاقتصاد السعودي قادراً على استيعاب تلك الضغوط بفضل متانة أوضاعه المالية والإصلاحات الاقتصادية المستمرة.
الاقتصاد… أداة ضغط في الصراعات الحديثة
تكشف التطورات الأخيرة أن الاقتصاد لم يعد مجرد ضحية للحروب بل أصبح أحد أدوات الصراع غير المباشر. فالتأثير في حركة الملاحة أو تهديد الممرات البحرية الحيوية ينعكس بسرعة على تكاليف النقل وأسعار التأمين، وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، بما يمنح الصراعات الإقليمية تأثيراً يتجاوز حدودها الجغرافية.
ومن هذا المنطلق فإن تكلفة التصعيد لا تتحملها الأطراف المنخرطة في الصراع وحدها بل تمتد إلى الشركات العالمية والدول المستوردة والمستهلكين مما يعكس الترابط الوثيق بين الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي.
إيران… البعد الإقليمي للأزمة
لا يمكن فهم التطورات اليمنية بمعزل عن التنافسات الإقليمية. فمنذ سنوات تتهم الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية والخليجية إيران بتقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري والتقني والسياسي لجماعة الحوثيين في حين تنفي طهران تقديم دعم عسكري مباشر وتؤكد أن موقفها يقتصر على الدعم السياسي.
وفي ظل هذا الجدل يرى عدد من المحللين أن القدرات العسكرية التي يمتلكها الحوثيون ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة عززت قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر وربطت الساحة اليمنية بمعادلات الردع الإقليمية الأمر الذي جعل أي تصعيد محلي ينعكس سريعاً على التجارة الدولية وأسواق الطاقة.
من يدفع فاتورة التصعيد؟
اقتصادياً لا يوجد طرف يخرج من الأزمة دون تكلفة.
- فالسعودية تتحمل أعباء إضافية مرتبطة بحماية البنية التحتية وتعزيز الإجراءات الأمنية.
- كما تواجه مصر ضغوطاً على إيرادات قناة السويس نتيجة تراجع مرور بعض السفن.
- وتتكبد شركات الشحن العالمية ارتفاعاً في تكاليف التشغيل والتأمين
- بينما يواجه الاقتصاد العالمي مخاطر زيادة أسعار النقل والطاقة وما يرافقها من ضغط تضخمي.
وتؤكد هذه المعطيات أن استقرار البحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية فحسب بل أصبح مصلحة اقتصادية عالمية ترتبط بأمن التجارة الدولية واستقرار الأسواق.
ثلاثة سيناريوهات اقتصادية - السيناريو الأول: انه يتم احتواء سريع للتصعيد عبر تفاهمات سياسية وأمنية تعيد الثقة إلى الملاحة الدولية وتخفض تكاليف المخاطر بما يدعم النشاط التجاري والاستثماري ويعزز استقرار الأسواق.
- السيناريو الثاني: يقوم على استمرار تصعيد محدود تبقى معه حركة الملاحة قائمة ولكن مع استمرار ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واستمرار الضغوط على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
- السيناريو الثالث : ان يتسع نطاق الأزمة إقليمياً بما يربط البحر الأحمر والخليج في بؤرة توتر واحدة وهو ما قد ينعكس على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية ومعدلات التضخم ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
الخلاصة
لم تعد معادلة اللاحرب واللاسلم التي نشأت عقب هدنة عام 2022 قادرة على توفير المستوى ذاته من الاستقرار الذي سمح بخفض المخاطر الإقليمية ودعم النشاط الاقتصادي. فمع تصاعد التوترات في البحر الأحمر وتزايد تشابك الصراع اليمني مع التنافسات الإقليمية أصبحت كلفة عدم الاستقرار تمتد إلى التجارة العالمية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وليس إلى أطراف الصراع وحدها.
وفي ظل هذا الواقع يغدو استقرار اليمن والبحر الأحمر ضرورة استراتيجية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة إذ يرتبط مباشرة بأمن التجارة الدولية وثقة المستثمرين واستقرار الأسواق. وكلما ارتفعت المخاطر الجيوسياسية ارتفعت معها تكاليف النقل والتأمين والتمويل واتسعت حالة عدم اليقين التي تؤثر في قرارات الاستثمار والنمو العالمي.
ومن ثم فإن نجاح المسار السياسي والدبلوماسي في تثبيت التهدئة وبناء ترتيبات أمنية مستدامة سيظل العامل الأكثر أهمية في تقليل كلفة الأزمات وحماية الممرات البحرية وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتنمية الإقليمية والاقتصاد العالمي.
د. نفيسة إبراهيم الأمير
