السبت, يوليو 18, 2026
الرئيسيةمقالاتبين استيراد الأفكار واستنساخ التاريخ: لماذا تعثر المشروع الوطني؟ ...

بين استيراد الأفكار واستنساخ التاريخ: لماذا تعثر المشروع الوطني؟ د.الهادي عبدالله أبوضفائر

منذ خروج المستعمر بقي سؤال النهضة معلقاً، وكأن الاستقلال كان نهاية المعركة لا بدايتها. فقد ورث الشعب بلدا بلا فكرة جامعة. وشعبا مقسما تتنازعه الهويات أكثر مما تجمعه المواطنة، فكان أسهل الحلول هو البحث عن نماذج جاهزة خارج الذات. ومنذ ذلك التاريخ لم ننشغل بإنتاج مشروعنا الحضاري بقدر ما انشغلنا بالانتماء إلى مشاريع الآخرين.

جرّبنا غالبية الوصفات الديمقراطية الليبرالية كأنها وصفة دستورية مكتملة، والانقلابات باعتبارها طريقاً مختصرا لبناء الدولة، ثم استوردنا القومية والاشتراكية، ثم اتجهنا إلى مشروع الصحوة الإسلامية بوصفه البديل القادر على إنقاذنا من الفراغ الروحي والأخلاقي. لكن جميع المشاريع باختلاف مرجعياتها، انتهت إلى النتيجة ذاتها، لأنها تعاملت مع الوطن باعتباره ساحةً لتطبيق الأفكار، لا مكاناً لإنتاجها.

الخطأ لم يكن في الليبرالية ولا في الاشتراكية ولا في الإسلام، وإنما في العقل الذي ظن أن الأفكار تُنقل بين الأمم كما تُنقل البضائع بين الأسواق. فالافكار كائنات تاريخية تولد داخل ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة، ثم تنمو أو تموت بحسب البيئة التي تحتضنها. وما يصلح في لندن أو باريس أو إسطنبول أو كوالالمبور، لا يصلح في الخرطوم لمجرد أننا ترجمنا كتبهم أو رفعنا شعاراتهم.

لعبقرية مالك بن نبي تجل، حين لم يجعل الاستعمار أصل الداء، بل رأى أن الاحتلال لا يجد موطئ قدم إلا عندما تتآكل مناعة الشعوب من الداخل. فالقابلية للاستعمار ليست تبرئةً للمستعمر، وإنما إدانةٌ لحالة العجز التي تجعل الأمة غير قادرة على إنتاج المعرفة والمؤسسات والقيم التي تحمي استقلالها. والاستعمار ليس بالضرورة جيشاً يحتل الأرض، قد يكون فكرةً تحتل العقل، أو نموذجاً يفرض نفسه.

فالوطن تخلص من المستعمر، لكنه لم يتحرر من التبعية الفكرية. تقليد الآخر، دون أن ينتج منطقه الخاص في قراءة الإنسان، أو فهم تركيبته الثقافية أو استيعاب تعقيداته التاريخية. فظل العقل الوطني يتأرجح بين استيراد الحداثة واستنساخ التراث، بينما الواقع يتحرك في اتجاه آخر لا يلتفت إليه أحد.

ومن هنا تعثرت مشاريع النهضة، بما فيها مشروع الصحوة الإسلامية، لا لأنها جعلت الدين مرجعاً، بل لأنها افترضت أن استدعاء التراث وحده كافٍ لبناء المستقبل. فقد تعامل بعض منظّريها مع التاريخ الإسلامي بوصفه نموذجاً جاهزاً للتكرار الحرفي، مع أنه كان ثمرة تفاعل حيّ بين الوحي وواقع عصره.

فالنص ثابت في مرجعيته، أما فهم الإنسان له فهو اجتهادٌ متجدد، يتأثر بتحولات المجتمع والسياسة والمعرفة. لذلك فإن استحضار الماضي دون قراءة عميقة للحاضر لا يصنع نهضة، بل يكرّس حنيناً ثقافياً يزداد اتساعاً كلما ازدادت تحديات الواقع وتعقيداته.

الفرق ليس في استدعاء الغرب أو التراث، وإنما بين عقل يستدعي الأفكار بوصفها يقيناً مغلقاً، وآخر يستدعيها بوصفها فرضيات قابلة للاختبار. وهنا تبرز قيمة كارل بوبر الذي نقل الفكر الإنساني من عبادة اليقين إلى ثقافة النقد فالحضارات لا تتقدم لأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، بل لأنها تمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائها. إن المجتمع المفتوح ليس ذلك الذي يسمح بتعدد الأحزاب، وإنما الذي يسمح للأفكار نفسها أن تُراجع وتُختبر وتُستبدل إذا أثبت الواقع قصورها.

اخطر ما افتقدناه القدرة على التجدد إذا تحولت الأيديولوجيات إلى هويات، وأصبحت مراجعة الأفكار تُعد خيانة لها، بينما كان الأولى أن تكون مراجعتها دليلاً على حيويتها. وعندما تموت القدرة على النقد تتحول السياسة إلى صراع عقائد، ويصبح الوطن ساحةً لتنافس المذاهب بدل المشاريع.

ومن زاوية أخرى لفت أنطونيو غرامشي النظر إلى حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها ولا بالقانون وحده بل بوجود كتلة تاريخية تتوافق داخلها النخب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية حول مشروع وطني جامع. فالأمم لا تنهض لأن حزباً انتصر، وإنما لأنها نجحت في إنتاج توافق حضاري يجعل اختلافاتها مصدراً للقوة لا سبباً للتفكك.

وهنا تكمن المعضلة فقد عجزنا منذ الاستقلال عن بناء كتلة تاريخية تتجاوز القبيلة والطائفة والأيديولوجيا والجهة. فبدل التنافس على تأسيس الدولة، الكل يسعى إلى احتكارها وهزيمة خصومها بدل بناء شراكة وطنية معهم. وهكذا أصبحت السلطة غايةً في ذاتها، بدل أن تكون أداةً لتحقيق مشروع حضاري جامع.

الأزمة، في حقيقتها، ليست أزمة دستور ولا أزمة انتخابات ولا أزمة انقلاب وإنما أزمة منهج التفكير. فما زلنا نبحث عن الحل بتغيير الأشخاص، بينما تبقى البنية العقلية التي تنتج الأزمات كما هي. وما زلنا نستهلك الأفكار أكثر مما ننتجها، فالنهضة تبدأ حين نمتلك القدرة على فهم واقعنا وصناعة معرفة تنبع من أسئلتنا لا من تقليد تجارب الآخرين.

النهضة لا تبدأ بالاختيار بين الشرق والغرب أو المفاضلة بين الأصالة والمعاصرة، وإنما تبدأ حين ندرك أن الحضارة لا تستورد ولا تستعاد، وإنما تبنى بتحويل التجربة الإنسانية كلها إلى معرفة تنبع من أسئلة المجتمع وتستجيب لتحديات واقعه.

العالم ليس كتاباً نردد صفحاته للحفظ، وإنما مختبراً نتعلم منه، والتراث ليس ملاذاً نعتصم به وإنما ذاكرة نستضيء بها ونحن نصنع المستقبل. وعندما ندرك هذه الحقيقة، سنتوقف عن الدوران في الحلقة نفسها لأن نهضة الأمم لا تصنعها الشعارات البراقة، وإنما العقول القادرة على فهم الواقع، ونقد الذات، وبناء المستقبل.
abudafair@hotmail.com

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات