بقلم/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي
● الدولة بين الشرعية والضعف… لماذا تفقد الدولة قدرتها على إنتاج الثقة؟
في الحلقة السابقة تناولنا كيف تتحول المظلومية السياسية من مطلب عدالة إلى أداة صراع، وكيف يمكن أن تعيد إنتاج الاستقطاب بدل أن تساهم في معالجته. وخلصنا إلى أن غياب العدالة المؤسسية يجعل القضايا المشروعة قابلة للاستثمار السياسي المفتوح.
في هذه الحلقة ننتقل إلى مركز الثقل في أي مشروع سياسي، وهو الدولة نفسها: كيف تتشكل شرعيتها؟ ولماذا تبدأ في فقدان قدرتها على إنتاج الثقة داخل المجتمع حتى قبل أن تنهار مؤسساتها بشكل كامل؟
إن الدولة ليست مجرد أجهزة إدارية أو قوة تنفيذية، بل هي في جوهرها “فكرة” يعيشها الناس قبل أن تكون واقعاً مادياً. فهي تقوم على قبول جمعي غير معلن، بأن هذه المؤسسة هي المرجع النهائي للفصل في النزاعات، وتوزيع الحقوق، وتنظيم العلاقة بين المواطنين.
وعندما تضعف هذه الفكرة في الوعي الجمعي، تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها تدريجياً، حتى لو ظلت مؤسساتها قائمة شكلياً.
فالشرعية لا تُمنح بالقوة، بل تُنتج عبر الثقة. والثقة لا تُبنى إلا عندما يشعر المواطن أن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن القانون يعلو على الولاءات، وأن الحقوق ليست امتيازاً يُمنح بل استحقاقاً يُصان.
لكن حين تبدأ الدولة في الانحياز، أو تفشل في تطبيق القانون بعدالة، أو تعجز عن تقديم الخدمات الأساسية، فإنها تبدأ في فقدان أهم رأسمال تملكه: الثقة العامة.
وفي هذه اللحظة، لا يعود المواطن يرى الدولة باعتبارها مرجعية، بل باعتبارها طرفاً من أطراف الصراع. وعندما يحدث هذا التحول، تدخل الدولة في مرحلة الضعف البنيوي، حتى وإن لم تنهَر بعد.
وفي الحالة السودانية، تراكمت عبر عقود طويلة مشكلات مرتبطة ببنية الدولة نفسها: ضعف المؤسسات، تسييس الخدمة العامة، هشاشة العدالة، وتفاوت التنمية بين الأقاليم. وكل هذه العوامل ساهمت في تقليص المسافة بين الدولة والمجتمع، وجعلت كثيراً من المواطنين يلجؤون إلى بدائل غير رسمية للحصول على الحماية أو الحقوق.
وهذا الانسحاب التدريجي من الدولة لا يحدث بشكل مباشر، بل يبدأ بصمت، عبر تراجع الإيمان بقدرتها على الإنصاف، ثم يتوسع ليشمل فقدان الثقة في قدرتها على الحماية، وأخيراً في قدرتها على تمثيل الجميع.
ومع استمرار هذا المسار، تظهر كيانات موازية للسلطة، سواء كانت اجتماعية أو جهوية أو مسلحة أو سياسية، لتملأ الفراغ الذي تتركه الدولة. وهنا يصبح الصراع أكثر تعقيداً، لأننا لا نواجه دولة قوية ضد معارضة، بل نواجه تفتتاً في مفهوم الدولة نفسه.
إن أخطر ما يواجه أي دولة ليس ضعفها المؤقت، بل تحولها في وعي مواطنيها من “مرجعية جامعة” إلى “طرف متنازع عليه”. ففي هذه الحالة، تفقد الدولة قدرتها على لعب دور الحكم، وتصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون إطاراً لحلها.
ولهذا فإن إعادة بناء الدولة لا تبدأ من تغيير الحكومات فقط، بل من إعادة بناء الشرعية ذاتها، عبر استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون، وبين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع.
فالدولة التي لا ينتج وجودها شعوراً بالعدالة والانتماء، تصبح دولة شكلية مهما امتلكت من أدوات القوة. أما الدولة التي تنجح في إنتاج الثقة، فهي دولة قادرة على البقاء حتى في أصعب الظروف.
إن معركة السودان في جوهرها ليست فقط معركة على السلطة، بل معركة على إعادة تعريف معنى الدولة نفسها في الوعي الجمعي.
- في الحلقة القادمة…
الاقتصاد والسياسة… كيف يتحول الفقر إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة؟
سنناقش العلاقة بين الاقتصاد وبنية الصراع السياسي، وكيف يسهم الفقر والاختلال التنموي في إعادة تشكيل الولاءات، ولماذا يصبح الاقتصاد في بعض الحالات جزءاً من الأزمة لا وسيلة لحلها.
هذه المقالة جزء من مشروع فكري متسلسل بعنوان “إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني”، وتُقرأ ضمن سياقها العام، حيث تمثل كل حلقة لبنة في بناء رؤية فكرية متكاملة لإعادة فهم الدولة السودانية وإعادة تأسيسها على أسس جديدة.
