شهدت منطقة الخليج العربي خلال النصف الأول من عام 2026 تحولات جيوسياسية عميقة أعادت صياغة العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في أعقاب التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة في فبراير 2026 وما تلاه من توقيع “مذكرة تفاهم إسلام آباد” في يونيو 2026.
لابد من قراءة في واقع هذه التحولات ومستقبل “المظلة الأمنية” الأمريكية في المنطقة:
تصدع المظلة الأمنية التقليدية
لم تعد دول الخليج تنظر إلى الضمانات الأمنية الأمريكية كركيزة مطلقة ومضمونة، مثل سابق عهدها ويمكن تلخيص أسباب التراجع في هذه النقاط:
- العبء المباشر للحرب: تحملت دول الخليج التبعات الاقتصادية والأمنية الكبرى للمواجهة الإيرانية-الأمريكية، حيث استهدفت منشآتها العسكرية والاقتصادية، مما ولد شعوراً بأنها “تدفع الثمن” لسياسات لا تملك فيها قراراً نهائياً.
- اتفاقيات “عبر الرؤوس”: أثارت “مذكرة تفاهم إسلام آباد” قلقاً بالغاً في العواصم الخليجية، لأنها صيغت بعيداً عن التشاور الفعلي مع الشركاء الإقليميين، وتجاهلت ملفات جوهرية تمس أمن الخليج، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني وشبكة الوكلاء الإقليميين (المليشيات).
- الشكوك في الالتزام الأمريكي: أدى انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران كجزء من تفاهمات التهدئة، والحديث عن إعادة تموضع القواعد العسكرية، إلى مخاوف حقيقية من “فراغ أمني” قد تترك دول الخليج لتواجهه بمفردها.
التحول نحو الدبلوماسية الذاتية والبرغماتية
بدلاً من الاعتماد الكلي على واشنطن، بدأت دول الخليج في تبني مسارات بديلة:
- الواقعية السياسية: اضطرت دول الخليج، بما فيها تلك التي كانت تدعو لنهج عسكري حازم مثل الإمارات، إلى دعم اتفاق وقف إطلاق النار كخيار “أهون الشرور” لتأمين الملاحة في مضيق هرمز واستعادة الاستقرار الاقتصادي.
- تنويع الشراكات: مع اهتزاز الثقة في المظلة الأمريكية، بدأت تبرز عروض أمنية بديلة مثل المبادرات الروسية للأمن الشامل، مما يشير إلى محاولة خليجية لعدم حصر أمنها في قطب واحد.
- تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية: أدركت دول الخليج أن أمنها مرتبط بقدرتها على الردع الموثوق وبناء دفاعات محلية متكاملة، بدلاً من الاعتماد على صواريخ اعتراضية أمريكية مكلفة وذات إمدادات غير مضمونة في أوقات الأزمات.
التحديات الإستراتيجية القائمة
رغم الدعم المعلن ل “مذكرة إسلام آباد” لتجنب المزيد من الحروب، لا تزال هناك فجوة ثقة:
- الخوف من التمويل: يثير التزام واشنطن بخطة إعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار بناءً على تصريحات أمريكية مخاوف خليجية من أن يؤدي ذلك في النهاية إلى تمويل غير مباشر لبرامج طهران التسليحية.
- الاستقطاب الإقليمي: لا تزال هناك حاجة إلى “هيكل أمني إقليمي شامل” لا يعتمد على صفقات مؤقتة، بل على معالجة الخلل الإستراتيجي والردع المتبادل.
الخلاصة
لم تقطع دول الخليج علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن طبيعة العلاقة تغيرت بشكل جذري. لقد انتقلت من “التبعية الأمنية” إلى “الاستقلالية البرغماتية”. أصبحت دول الخليج اليوم أكثر قناعة بأن واشنطن تتصرف وفقاً لأولوياتها الوطنية الخاصة، مما دفعها للبحث عن توازنات جديدة تضمن أمنها القومي بعيداً عن التوقعات الساذجة ب “الحماية المطلقة”.
يبقى السؤال الجوهري الذي يواجه صناع القرار في الخليج اليوم:
كيف يمكن بناء ترتيبات أمنية مستدامة مع إيران في ظل غياب الثقة؟
وكيف يمكن التوفيق بين هذه الترتيبات والشراكة التاريخية مع الغرب؟
بقلم / عقيد شرطة (حقوقي) م. محمد علي عبدالله عبد الدائم
