السبت, يونيو 13, 2026
الرئيسيةمقالاتفقه الصبر وعجز السلطان بقلم/ اسماعيل الحكيم

فقه الصبر وعجز السلطان بقلم/ اسماعيل الحكيم


لم يعد في قوس الصبر السوداني منزع، ولم يعد في جوف المعاناة متسع لمزيد من “الوصايا” والخطابات التخديرية. إن خروج الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمطالبة الشعب بالصبر في مواجهة أزمات الوقود والكهرباء الطاحنة، لا يمكن تصنيفه إلا في خانة “الهروب إلى الأمام”، ومحاولة بائسة لشرعنة العجز الرسمي وتمريره تحت غطاء الفضيلة الأخلاقية.
السؤال الذي ينبغي أن يطرق جدران المكاتب المكيفة، ويهز كراسي السلطة هزاً عنيفاً، هو سؤال بديهي، حاد، ولا يقبل الالتواء ، هل عجزت الدولة -بكل ترسانتها الأمنية، وجيوشها الجرارة، وأجهزتها الاستخباراتية- عن معرفة من يقف وراء هذه الأزمات المفتعلة؟
إنها لمفارقة مخجلة ومخيفة، أن تقف الدولة وأجهزتها الشرطية والأمنية موقف المتفرج البليد، تضع يداً على الأخرى، وهي ترى وتسمع بأم عينيها من يعبث بأقوات الناس، ومن يحيل نهارهم ظلاماً وليلهم هجيراً لافحاً. فأي هوان هذا الذي يمتص دماء المواطن، ليزيد من معاناة شعب مكلوم باتت كوابيسه اليومية كحمل بعير ينوء به كاهل الجبال العاتية؟!
دعونا نضع النقاط فوق الحروف بلا مواربة، ولينتفض من ينتفض:
إذا كانت الدولة بأجهزتها الضاربة تعرف بدقة هويات المخربين واللاعبين بملفات الكهرباء والوقود وتصمت عنهم، فهذه طامة كبرى، وخيانة عظمى للأمانة. وإن كانت لا تعرف، فالعار أشنع، وتلك أم الطوام!
وفي كلا الحالين، نحن أمام سلطة تسقط عنها هيبتها تلقائياً، وتعرّي كفاءتها الإدارية والأخلاقية.
فإن أدنى واجبات أي دولة تحترم وجودها وتستمد شرعيتها من شعبها، هي حماية مواطنها، والسعي لتوفير حياة كريمة له، لا أن تتحول إلى واعظ يطالب الضحية بالاحتمال، بينما الجاني والسمسار والمخرب يسرحون ويمرحون تحت سمع الدولة وبصرها.
إن هيبة الدولة لا تُبسط بالخطابات والوعود، ولكن بالردع والمحاسبة والمشانق القانونية. كان حرياً بالقيادة، بدلاً من إلقاء عبء الصبر على مواطن مهدد في أبسط مقومات حياته بعد حرب طويلة الأمد ، أن تضرب بيد من حديد -وبلا رحمة ولا هوادة- على عنق كل من تسول له نفسه إتعاب الناس والتضييق عليهم وتحويل تفاصيل عيشهم إلى ورقة مساومة سياسية قذرة.
إن الصمت على هذا العبث ليس حكمة، والسكوت عن المخربين ليس سياسة؛ وإنما هو استقالة علنية من المسؤولية التاريخية. ليسمعها المسؤولون صاعقة مدوية ، الشعب السوداني لم يتبقَّ فيه عرق واحد لامتصاص الصدمات، وإذا لم تتحرك أجهزة الدولة لاجتثاث جذور هذه الأزمات المفتعلة فوراً، فإن هذا الصبر المزعوم لن يكون إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة!

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات