تقرير : حفية نورالدائم
رسمت الهيئة العامة للأرصاد الجوية ملامح موسم خريف استثنائي قد يعيد تشكيل المشهد الزراعي والإنتاجي في السودان، بعدما كشفت عن مؤشرات مناخية ترجح تراجع معدلات الأمطار إلى ما دون مستوياتها المعتادة، بالتزامن مع ارتفاعات قياسية في درجات الحرارة، في تطورات تثير المخاوف بشأن الأمن الغذائي واستدامة الموارد المائية خلال الأشهر المقبلة.
وفي وقت اعتادت فيه البلاد على استقبال الخريف بوصفه موسم الخير والوفرة، تشير التوقعات المناخية الجديدة إلى واقع مختلف، عنوانه أمطار أقل وحرارة أعلى، وهو ما يضع قطاعات الإنتاج الزراعي والرعوي أمام تحديات معقدة تتطلب استعدادات مبكرة وتدابير استباقية واسعة النطاق.
وخلال المؤتمر التنويري الدوري الذي نظمته وكالة السودان للأنباء «سونا» لإعلان التوقعات الموسمية للفترة من يونيو إلى سبتمبر، كشف مدير غرفة طوارئ الهيئة العامة للأرصاد الجوية محمد أحمد محمد صباح الخير أن القراءة الأولية للمؤشرات المناخية تؤكد اتجاهاً نحو موسم مطري دون المعدلات المناخية المعروفة، مصحوباً بموجات حر واسعة النطاق يتوقع أن تشمل مختلف أنحاء البلاد.
وأكد أن احتمالات السيول والفيضانات الكبيرة التي شهدتها البلاد في مواسم سابقة تبدو أقل هذا العام، نتيجة التراجع المتوقع في كميات الأمطار، غير أن ذلك لا يلغي مخاطر أخرى ترتبط بشح المياه وتدهور المراعي وتراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق.
إنذار مناخي مبكر
وتعكس التوقعات الإقليمية لمنطقة القرن الإفريقي اتجاهاً عاماً نحو ظروف مناخية أكثر جفافاً، إذ ينتظر أن تسجل دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، مستويات أعلى من الجفاف خلال الموسم الحالي، بينما يتوقع أن يتأثر السودان بدرجة أقل، لكنه لن يكون بمنأى عن التداعيات الاقتصادية والإنتاجية لهذه الظاهرة.
ويرى خبراء أن هذه المؤشرات تمثل جرس إنذار مبكراً للقطاعات المرتبطة بالمناخ، خاصة وأن الاقتصاد السوداني ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على الأنشطة الزراعية والرعوية التي ترتبط مباشرة بكميات الأمطار وتوزيعها الزمني والجغرافي.
الخريف.. شريان الاقتصاد السوداني
وتكتسب هذه التوقعات أهمية مضاعفة لأن الفترة الممتدة بين يونيو وسبتمبر تمثل الشريان المناخي الرئيسي للبلاد، حيث تستقبل خلالها مناطق واسعة من السودان النسبة الأكبر من أمطارها السنوية.
وبحسب الهيئة، فإن ما يصل إلى أربعة أخماس الأمطار السنوية تهطل خلال هذه الأشهر في ولايات الوسط والجنوب والجنوب الشرقي، الأمر الذي يجعل الموسم حجر الزاوية في معادلة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
وتعتمد أكثر من 80 في المائة من الرقعة الزراعية السودانية على الأمطار بصورة مباشرة، ما يعني أن أي اختلال في معدلات الهطول ينعكس فوراً على إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني، وهي محاصيل ترتبط بمعاش ملايين المواطنين وسلاسل الإمداد الغذائي في البلاد.
كما يمتد أثر الموسم إلى الثروة الحيوانية عبر تجديد المراعي الطبيعية ومصادر المياه، فضلاً عن دوره المحوري في تغذية السدود والخزانات ومحطات التوليد الكهرومائي التي تعتمد على الإيرادات المائية الموسمية.
استنفار مبكر لمواجهة السيناريوهات المحتملة
وفي خطوة تستهدف رفع درجة الجاهزية، أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية تنظيم ملتقى المناخ الثالث منتصف يونيو الجاري، بمشاركة واسعة من الجهات الحكومية والمؤسسات الفنية والاقتصادية ذات الصلة.
ويُنتظر أن يناقش الملتقى السيناريوهات المناخية المحتملة وآليات التكيف معها، إلى جانب وضع حزمة من الإجراءات الوقائية الرامية إلى تقليل آثار شح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة على القطاعات الحيوية.
وتضع هذه التوقعات المؤسسات المختصة أمام اختبار مبكر لإدارة موسم يبدو مختلفاً عن المواسم السابقة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى سياسات أكثر كفاءة في إدارة المياه، وتعزيز احتياطات الأمن الغذائي، ورفع جاهزية القطاع الزراعي لمواجهة تقلبات مناخية قد تكون من الأكثر تأثيراً خلال السنوات الأخيرة.
