مسارب الضي | د. محمد تبيدي
وعلى حد قولي:
حين يضيق الخناق على اللصوص ينكشف الزيفُ السقيم
وتسقطُ الأقنعةُ السوداءُ فوق تراب الجرم العقيم
من باعوا الوطنَ بمال صاروا حفنةَ خوفٍ وهشيم
والسودانُ حين ينهضُ جيشُهُ يعودُ شامخاً كنخيلنا العظيم
في المشهد السوداني المتسارع، لم تعد ملامح الانهيار داخل مليشيا آل دقلو الإرهابية خافية على أحد، فكل يوم يمر يكشف حجم التصدع الذي ضرب جسد هذه المليشيا التي اعتمدت منذ نشأتها على الإرهاب والنهب وترويع المدنيين واحتلال منازل المواطنين وتحويل المدن الآمنة إلى ساحات للرعب والموت.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماماً عن بدايات التمرد، فحالة الذعر التي ظهرت على وجوه المستشارين والإعلاميين المحيطين بقيادة التمرد تؤكد أن النهاية تقترب بوتيرة متسارعة. وجوه شاحبة، خطابات مرتبكة، وتناقضات واضحة في التصريحات، بينما يقفز البعض من السفينة الغارقة محاولين النجاة بأنفسهم قبل أن تبتلعهم أمواج الدم التي صنعوها بأيديهم.
أسماء مثل الباشا طبيق وآخرين باتوا يدركون أن المشروع الذي بُني على الفوضى والسلاح المنفلت لم يعد قادراً على الصمود أمام ضربات القوات المسلحة السودانية، ولا أمام يقظة الشعب السوداني الذي اكتشف باكراً حجم المؤامرة التي استهدفت الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية.
وفي تطور بالغ الأهمية، بدأت مؤشرات التفكك الداخلي تظهر بصورة أوضح من أي وقت مضى، خاصة مع تزايد حالات تسليم بعض القادة الميدانيين أنفسهم للقوات المسلحة، وهي خطوة تحمل دلالات خطيرة تؤكد أن الثقة داخل المليشيا انهارت، وأن كثيراً من عناصرها لم يعودوا مقتنعين بإمكانية استمرار المعركة أو تحقيق أي مكاسب على الأرض.
الأخطر من ذلك، أن معلومات عديدة باتت تتحدث عن اختراقات استخباراتية وأمنية واسعة داخل صفوف المليشيا، الأمر الذي دفع قياداتها إلى اتخاذ إجراءات مشددة ضد بعض القادة والعناصر، وصلت إلى تجريد البعض من السيارات والأسلحة وتقييد تحركاتهم خوفاً من الهروب أو التنسيق مع الجيش. وهذا وحده يكفي لقراءة حجم الرعب الذي يضرب معسكرات التمرد من الداخل.
أما الظهور الأخير لحميدتي، فقد حمل في طياته إشارات كثيرة للمتابعين والمحللين، إذ بدا الخطاب مرتبكاً ومشحوناً بالخوف والانفعال، مع محاولات متكررة لرفع الروح المعنوية وسط مجموعات فقدت السيطرة الميدانية وفقدت معها الثقة في قياداتها. لغة الجسد نفسها كانت تتحدث بوضوح؛ نظرات قلقة، نبرة متوترة، وحديث يفتقد للتماسك الذي كان يحاول تصديره سابقاً.
اللافت كذلك أن مخاطبته جاءت لأشخاص غير معروفين للرأي العام، أسماء بلا وزن سياسي أو عسكري حقيقي، الأمر الذي فتح باب التساؤلات
هل هؤلاء قادة صف ثانٍ أو ثالث بعد خسارة القيادات الأساسية؟
أم أنهم مجرد واجهات جديدة تم الدفع بها لتعويض الانهيار؟
أم أن المليشيا أصبحت تعتمد على مرتزقة وعناصر قبلية تم استدعاؤها على عجل بعد التراجع الكبير في الميدان؟
وفي الجانب الإنساني، تستمر معاناة المدنيين الذين دفع بهم زويهم المتعاونين في مناطق سيطرة المليشيا إلى النزوح نحو دول الجوار، بعد أن فقد الأمن وسيطر عليهم الخوف وأمنهم النفسي. ملايين السودانيين عاشوا مرارة التشرد بسبب هذه الحرب التي فرضتها المليشيا على الشعب والدولة، بينما ظل الجيش السوداني يقاتل في ظروف معقدة دفاعاً عن الأرض والعرض والسيادة الوطنية.
لكن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم بقوة
هل ستكون الضربة القادمة حاسمة وقاضية على ما تبقى من المليشيا؟
المعطيات الميدانية تشير إلى أن القوات المسلحة السودانية تمضي بخطوات محسوبة، تعتمد على الاستنزاف الذكي وتفكيك البنية العسكرية واللوجستية للمليشيا تدريجياً، مع تضييق الخناق على خطوط الإمداد والتحركات. كما أن الانقسامات الداخلية داخل التمرد قد تجعل أي عملية عسكرية قادمة أكثر تأثيراً وأسرع حسماً.
السودانيون يدركون أن معركة الكرامة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة وجود ودولة وهوية وطنية. ولذلك فإن أي انتصار يتحقق على الأرض لا يُقرأ فقط بمنطق الحرب، وإنما بمنطق استعادة السودان من قبضة الفوضى والخراب والارتهان الخارجي.
ويبقى المؤكد أن التاريخ لا يرحم، وأن كل مشروع يقوم على الدم والنهب والاغتصاب مصيره السقوط مهما طال الزمن. فالدول تُبنى بالمؤسسات والوعي والعدالة، لا بالمليشيات والسلاح المنفلت.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
