شهدت بلادنا مشهداً لم يكن يحتاج إلى مخرج سينمائي ليثير الجدل حوله ، غير أنه احتاج فقط إلى”تذكرة عبور” منحها الاستسلام لمن كان بالأمس القريب وقوداً للموت وناراً للحريق. فحين يترجل قائد من قوات الدعم السريع عن صهوة التمرد ليدخل في كنف الجيش، ويُستقبل استقبال الفاتحين، وتُفتح له أبواب “السيارات الرئاسية” بل تُمنح له تكريماً، فهذه لفتة سياسية بالغة الدلالة، تبدأ معها تساؤلات الشارع المشروعة في الانفجار: أين تذهب دماء الضحايا في زحمة التوازنات العسكرية؟
إن مشهد الاحتفاء بمن استسلم، بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضربت عصي الانشقاقات صفهم ، يضعنا أمام مواجهة أخلاقية كبرى وأمانة عظيمة ومسؤولية أعظم ، فهل ” كل عودة” تجبُّ ما قبلها من فظائع؟ وهل الخوف من الهلاك المحتوم على يد أبطال القوات المسلحة يمنح “التائبين قسراً” صكوك الغفران والمجد؟
لقد كان هؤلاء، حتى الأمس القريب، يغرسون نصالهم في قلب الوطن ليزداد نزيفه ، فقد انتهكوا الحرمات، واستباحوا البيوت، وأذلوا العزيز، وشردوا الأسر من دورها التي باتت الآن قاعاً صفصفاً. إن هذا القائد الذي يُحمل اليوم على الأعناق، كانت أوامره هي ذاتها التي صبّت الجحيم على رؤوس الأبرياء يومئذ..
هنا لابد من وقفة دستورية وأخلاقية صارمة ، فالفريق البرهان، بصفته قائداً للدولة والجيش، قد يملك قانوناً وسياسةَ حق “العفو العام” أو التنازل عن “الحق العام” لدواعٍ يراها تحقق مصلحة الأمن القومي، أو لتشجيع الانشقاقات في صفوف العدو. لكنّ ثمة منطقة محرمة لا يملك مفاتيحها إلا أصحاب الوجع إنها الحق الخاص سيدي الرئيس.
- من يملك العفو عن دم الأب الذي قُتل غدراً؟
- من يملك التنازل عن شرف الحرة التي انتهكت؟
- من يملك تعويض الشيخ الذي سُلب ماله وأُهين شيبه؟
إن الحق الخاص هو جوهر العدالة، وهو ملكية فردية حصرية للمظلومين، لا يسقطه استسلام عدو ولا تمحوه منحة “سيارة رئاسية”، ولا يملكه أي قائد مهما علت رتبته.
كما يجب ألا يغيب عن الأذهان أن هذه العودة لم تأتِ صحوةً لضمير ميت أو توبة لذنب ، لكنها جاءت بعد أن “بلغت قلوب الدعامة الحناجر” وبعد أن أحكم الجيش والمستنفرون قبضتهم على مفاصل الميدان. فأحسب أنه استسلام “الهارب من القدر” لا “العائد إلى الحق”. لذا، فإن تصوير هؤلاء كأبطال مغاوير هو طعنة في جسد كل مقاتل ضحى بروحه في الخنادق، وإهانة لكل أسرة فقدت فلذة كبدها بنيران هؤلاء أنفسهم.
إن الطريق إلى السلام لابد أن يمر عبر قنطرة العدالة، لا فوق جثث الضحايا وتضحياتهم ، وإن الترحيب بالمنشقين كضرورة عسكرية هو أمر مفهوم في فنون الحرب، لكن تحويلهم إلى أيقونات وطنية هو “ردة أخلاقية” لا يستسيغها عقل ولا يقبلها قلب.
ليعلم الجميع أن صفحات التاريخ لا تُمحى بابتسامة أمام الكاميرات، وأن أنين المعذبين في الزنازين وصرخات الثكالى في المخيمات ستظل تطارد كل من ظن أن “العفو” يُباع ويُشترى في سوق السياسة. فالعفو الحقيقي يملكه من دفع الثمن، والثمن كان وطناً بأكمله.
إن العدالة التي تتجاهل الضحايا ليست إلا فصلاً جديداً من فصول الظلم.
