لم تكن دعوة رئيس الوزراء، السيد كامل إدريس، للصحافة الوطنية بالوقوف في خندق واحد لمجابهة (الفساد، التهريب، والمخدرات) استنجاداً عادياً وطبيعياً بمؤسسات التنوير والرائد الذي لا يكذب أهله ، إنما كانت “إعلان حرب” بلسانٍ سياسي وعقلٍ إستراتيجي، وضع فيه الرجل يده على مكمن العلة التي أورثت الجسد السوداني هزالاً طال أمده. وإننا أمام “ثالوثٍ محرق” لا يكتفي بقضم أطراف التنمية وتعطيلها، ولكنه يستهدف النخاع الشوكي للدولة، مما يجعل من محاربته معركة وجودية لا تقبل القسمة على اثنين.
كما لا يمكن الحديث عن نهضةٍ مرتقبة أو رخاءٍ منشود في ظل وجود هذا الثالوث الذي ضرب أطنابه في مفاصل الحياة فأفسدها :
- الفساد: الذي تحول من سلوكٍ منحرف إلى “ثقافةٍ موازية” تعيق دورة العدالة وتقتل روح الإبداع.
- التهريب: النزيف الحاد في شريان الاقتصاد الوطني، حيث تُنهب موارد البلاد جهاراً نهاراً لتُبنى بها عروشٌ خارج الحدود.
- المخدرات: الحرب الناعمة التي تستهدف “رأس مالنا” الأغلى، وهم الشباب، لتعطيل عقولهم وتحويلهم من قوى منتجة إلى حطامٍ إنساني.
إن استعانة رئيس الوزراء بالصحافة كـ “صديقٍ معين” تعكس وعياً عميقاً بأن القوانين الجافة والتشريعات الصارمة ـ رغم ضرورتهما ـ لا تكفيان وحدهما لبتر هذه السرطانات.
وإن الدور المنوط بالصحافة اليوم يتجاوز “نقل الخبر” إلى “صناعة الوعي” وضرب طوقٍ رقابي محكم يستند إلى الدليل والبرهان، بعيداً عن التشهير الغوغائي، ليكون القلمُ مبضعَ جراحٍ يستأصل الورم لا معول هدمٍ يزيد الجرح اتساعاً.
وعلى السيد رئيس الوزراء أن يدرك ـ وهو يخطو هذه الخطوة الشجاعة ـ أنه لن يواجه أشباحاً كرتونيةً ، بقدرما أنه سيواجه “كارتيلات” متمرسة، وعصابات محترفة وشبكات مصالح تغلغلت في المسام، تملك المال والنفوذ والقدرة على المناورة. مما يجعل هذه الحرب الضروس بحاجة إلى: - عناصر صلبة: قياداتٍ لا ترتعش أيديها عند التوقيع على قرارات المحاسبة، ولا تلين عزيمتها أمام الإغراء أو التهديد.
- حضور أمني واعي: جهاز أمني يجمع بين “قوة الردع” و”ذكاء المعلومة”، مجهزاً بالعتاد الذي يفوق إمكانيات المهربين والعابثين.
- المسؤولية الشاملة: أن يطبق القانون بصرامة “لا تستثني أحداً”، ليعلم القاصي والداني أن عهد الحصانات الموهومة فوق جراح الوطن قد ولى بلا رجعة.
إن وضع اليد على الجرح هو نصف العلاج، أما النصف الآخر فيكمن في شجاعة “البتر”. إننا نتطلع إلى تخطيط بعيد المدى، يخرج بالبلاد من دائرة “الحملات الموسمية” إلى فضاء “المؤسسية الراسخة”. لقد أحسن رئيس الوزراء بطلب العون من السلطة الرابعة، وعلى الصحافة أن تكون قدر التحدي، لتصبح مرآةً كاشفة وسيفاً مسلطاً على رقاب الفساد، حتى يستعيد السودان عافيته، ويغدو الرخاء واقعاً نعيشه لا حلماً نطارده.إنها معركة لا حياد فيها، فإما أن نكون أو لا نكون.
