■ قصص وحكايات من داخل معسكر البؤس والشقاء، في بيالي بشمال يوغندا.
1️⃣
● قبيل حلول شهر رمضان بثلاثة أيام، كانت تصاريف الاقدار تقودني ورفيق درب جمعتنا كادقلي الثانويه، منتصف ثمانيات القرن الماضي، وفرقتنا الايام والمهن والاهتمامات، حتى جمعتنا مصيبة الحرب في لجة يومياتها ( التعيسة) انا والبله جودة، ركبنا صهوة جياد شركة بدر للطيران في ذلك الصباح الدافئ، في مدينة الثغر وكانت وجهتنا مدينة كمبالا، ثم العودة لوطن آخر انفصل عنا سياسيا ولكنه بقي في الوجدان، وفي أعماق قلوبٍ ألف بينهم النيل، ومر الذكريات، وحلو الأيام، في بلد مادخلت حرباً الا واعدت نفسها لحربٍ قادمة!! وما خمد صوت السلاح، الا ليتجدد بعد حين. وقصة جنوب السودان لم تكتب بعد، ليس مهماً كيف انفصل عن الشمال، ولكن المهم لماذا انفصل عن الشمال؟
● تأملت في وجوه رفاق الرحلة الي كمبالا من بورتسودان بعد أن ختم ضابط الجوازات على تأشيرة الخروج بسؤال أين ذاهب؟ قلت له يوغندا قال شغال شنو؟ قلت صحافي؛؛
عندك خطاب من مجلس الصحافة؟ قلت أين مجلس الصحافة؟ ومنذ متى يحصل الصحافيون على إذن من جهة حكوميه؟ قال يمكني منعك من السفر قلت افعل ماشئت؟ هؤلاء هم ضباط الفريق عثمان دينكاوي مدير الجوازات والهجرة. وعندما هبطنا مطار عنتبي الصغير الفخيم كانت هناك عشرات الطائرات تستعد للإقلاع، الإثيوبية، المصريه، التركيه، وتاركو، الكينية، حدثت نفسي متى يصبح لدينا مطار نباهي به ونفتخر. عشرات الكاونترات من خلف الأجهزة ضباط وجنود من الجنسين يبتسمون في وجهك، قبل استلام جواز سفرك، وخلال ثلاثة دقائق تخرج الي سير العفش تحمل حقيبتك الي خارج المطار، ومئات عربات النقل في انتظارك، عنتبي مدينة غسلها المطر قبل ساعة من هبوطنا وتبعد عنتبي وهي العاصمة القديمة ليوغندا عيدي امين، أول وربما اخر حاكم مسلم يقود بلداً نصفه سكانه من المسلمين، والنصف الآخر من المسيحيين الانجليكان، وقليل من الكاثوليك.
● كمبالا مدينة بلا مطار دولي مثل العاصمة المغربية الرباط التي بها مطار صغير مخصص للملك فقط والمطار الدولي في الدار البيضاء، ولكن مابين كمبالا وعنتبي نحو 45 كيلو مترا عبر طريق حديث، تم تشيده قبل سنوات بواسطة شركة صينية بنظام البوت، ولاتزال الشركة الصينية تتحصل رسوم العبور بالعملة المحليه الشلن التي تعادل الجنيه السوداني، الذي هوي في الشهور الأخيرة فقط، حيث كان الجنيه يعادل ثلاثة شلن يوغندي وكذلك حال جنيه السودان وجنيه جنوب السودان الذي يهوى هو الاخر لجب سحقيق.
2️⃣
● مدينة كمبالا تنهض الآن مسرعة بعماراتها الشاهقة ودقة نظامها ولايفسد المدينة الا نحو مليون دراجة بخارية تستخدم في النقل يقودها شباب يمثلون قوة اقتصادية هائلة وثقل انتخابي يتقرب اليهم حتى الرئيس يوري موسفيني الذي يقود نهضة بلاد تمثل مصدر الغذاء لأربعة بلدان أفريقية والشعب اليوغندي البالغ تعداده 46 مليون نسمة يزرع الذره الشامي والبطاطا والاناناس. ودولة جنوب السودان تستورد من يوغندا الطماطم والعجور والفراخ والليمون وحتي الجرجير، وتأكل الكنغو الديمقراطية الكنغو وكينيا من خيرات هذا البلد، الذي ينهض مسرعا وظلت يوغندا من سبعينات القرن الماضي بلدا مستقبلا لافواج اللاجئين من جيران لم تستقر بلدانهم، واحتضنت يوغندا اللاجئين من زائير سابقا، ومن السودان في كل حروبه من حرب الانانيا الأولي، التي انتهت باتفاقية أديس، ثم حرب حركة تحرير السودان التي انتهت باتفاق 2005، والان تستقبل يوغندا أكبر موجة لاجئين من حرب آل دقلو التي لايعرف متى تنهي وكيف تنتهي؟ واستقبلت يوغندا لاجئين من الصومال ومن إثيوبيا ومن إريتريا ولم يضيق صدر شعبها بكل المنكوبين والمطرودين من بلادهم لفساد حكامهم وسوء طويتهم وبؤس سياستهم التي جعلت نصف شعوب هذه البلاد أما مقهورين تحت بطش سلطة لاتعرف الرحمة بشعبها أو إدمان حروب انتهى إحداها الا وتبدأ أخرى!!
● يختلف الناس حول تقديرات عدد اللاجئين من السودان في يوغندا وحتي السفير احمد جرده وهو دبلوماسي عريق وشاب على سجية البداوة كرماً وحسن ضيافة وانفراج اسارير لايستطيع تقدير عدد اللاجئين في يوغندا، لغياب الإحصاء الدقيق، لكن الدبلوماسي إبراهيم وهو الساعد الأيمن الدينمو الذي يقود ماكينة السفارة يعتبر الوجود السوداني في معسكر بيالي بشمال يوغندا أكثر من خمسين الفا، وفي كمبالا وعنتبي وجنجا ضعف هذا العدد، ولكن مصادر أخرى تقول ان يوغندا تحتضن أكثر من 490 الف لاجئي يعيش بعضهم في القرى يحتطبون من الغابات، ويزرع بعضهم الطماطم والذره، وينشط في سوق كمبالا التجار من دارفور بصفة خاصة، حيث تقدر ثروات التجار السودانين في كمبالا بأكثر من تريلون دولار!! وهناك عمارات بأكملها وسط كمبالا إذا غدوت إليها تظن نفسك في السوق العربي قبل تخريبه أو في سوق نيالا، ويتسكع المئات من الشباب من الجنسين في مقاهي الشيشا ويلعبون الرند الذي تحرمه بعد المذاهب، ويلعبون الورق وتنتشر مطاعم بلدية سودانيه في يوغندا كسره وعصيده وفول مصري وأم فتفت والنعيمية، وجدت استاذ جامعي يعمل في حياكة الملابس، خريجات الأحفاد والاسلاميه وجامعة السودان يغسلن الصحون!!
●الوجه الاخر من كمبالا هناك إعداد كبيرة جدا من المليشيا بكدمول يثير الرعب في قلوب الضحايا الذين تعرضوا للقتل والنهب والسلب واغلب أنشطة المليشيا في مدينة عنتبي. وتشتري النساء السودانيات الذهب بأسعار أعلى من المعروض في الأسواق، والدول الأفريقية لاتهتم نساؤها كثيرا بالحلى الذهبية، ولاتوجد أسواق للذهب مثل السودان ودول الخليج، وينشط السياسيون المعارضون من قوى الحرية والتغيير في عقد الورش السمنارات، ويحصدون منها آلاف الدولارات قبل أن يتخذ ترامب قراره الذي تاذي منه هؤلاء الذين (يقتاتون) من ريع المنظمات الأمريكية.
● وضرب قرار ترامب أنشطة هؤلاء بالجفاف والتصحر المالي، واخذت تنظيمات مثل لا لقهر النساء، وتنظيمات تدعي الديمقراطية، وهي تتحالف مع بندقية الجنجويد، أخذت تلجأ للمنظمات البريطانية الشحيحة، وتنتظر قدوم الاشوس القوني دقلو ليهبها شيئاً من حقائبه التي تئن من حمل الدولار الأخضر.
3️⃣
● في ظل هذا الواقع كانت زيارة معسكر اللاجئين في بيالي يمثل فرض عين لرؤية ماذا يحدث هناك، وكيف يعيش من لفظتهم الحرب؟ ومن حسن الحظ أو سوء الحظ أيام وجودي في كمبالا كانت زيارة الاشوس الكبير محمد حمدان دقلو، الذي لم ياتي كمبالا جهراً وعلناً الا بعد أن طلبت الحكومة السودانيه – أثناء زيارة الفريق مالك عقار كمبالا ولقاء موسفيني – أن يلعب القادة الأفارقة دورا في حل النزاع في السودان، بدلا من قيادة الرباعية جهود التسوية، واستجاب موسفيني لطلب الحكومة السودانية، وهو من قدم الدعوة لحميدتي لزيارة كمبالا علنا، بعد أن زارها مرات ومرات بعيدا عن الأضواء، ولكن في هذه الزيارة تم استقباله من قبل مدير جهاز الأمن اليوغندي، وبرفقة حميدتي اتباعه من حكومة تأسيس، وقد هرع اليه اللاجئون من معسكر بيالي طلبا ليد العون، بعد أن توقف الدعم الدولي، وتناقص نصيب الفرد الواحد من مائة دولار في الشهر لأربعة دولارات فقط!! ومن سلة غذائية مكوناتها عشرة كيلو دقيق وعشرة كيلو لبن وعشرة كيلو سكر وثلاثة جالون زيت وبسكويت وساردين وفاصوليا الي لا شئ.
● المعسكر يقع شمال يوغندا وعلى بعد مائتين كيلو مترا من كمبالا ونحو خمسين كيلو مترا جنوب مدينة قولو الجميلة، ويعتبر من أقدم معسكرات اللاجئين في القارة الأفريقية، والخدمات التي كانت تقدمها الأمم المتحدة ووكالة المعونة الأمريكية للاجئين اغرت إعداد كبيرة من اللاجئين لاتخاذ ذلك المعسكر مقرا دائماً حيث ولد البعض في بيالي وتربي في بيالي وتزوج في بيالي ومات في بيالي!!
خاصة الاستوائيين من السودان القديم، وجوه شاحبة، وبؤس باديا في وجوه من لفظتهم الحرب الي دولة أفريقية بينها والسودان دولة جنوب السودان، وغالب الذين استاجروا بيوغندا واحتضنهم معسكر بيالي من إقليمي دارفور وكردفان ومن عرب البقارة الذين كانوا يباهون بعروبيتهم وبانهم قريش وجهينه واوس، ولكنهم لم يجدون دولة عربية واحدة تفتح لهم أبوابها الا مصر، حتى الإمارات التي تقود الحرب وتشعل النزاع لم تستقبل ضحاياها وتطعمهم من جوعٍ
● في المعسكر الذي يمتد لأكثر من خمسة كيلو مترات، استقبلني الأخ الضو من أبناء كردفان غير المنتمين الي المليشيا ولا الي الجيش ويقف في الحياد الذي يسميه البعض إيجابي، وآخرون يطلقون عليه الحياد السلبي، أصر على شرب القهوة والشاي في المقاهي التي تشبه مقاهي سوق كنجو كنجو القديم في جوبا، ولكنها تمثل ملتقى البوساء الذين ينتظرون العودة لوطنهم، ولكن الي اي وطن يعودون هل للقرى التي هجرورها قسراً وحيفاً وظلماً، أم اي مناطق أخرى، وعن معسكر بيالي يتصل الحديث في سياق قراءة في رحلة إلى بلدين يوغندا وجنوب السودان.
✒️ يوسف عبدالمنان.
28 مارس 2026م
