الثلاثاء, مارس 24, 2026

مشاهدات الحفلات السودانية بالرياض ما بين خسارة المنظّم وطمع الفنانين… من يدفع الثمن؟

كتب/ عمر المونه

أصبحت الحفلات السودانية في مدينة الرياض، والتي تُنظَّم غالبًا عبر منسقين يعملون تحت مظلة شركات ترفيهية، نموذجًا متكررًا لخيبة اقتصادية تتكبدها الجهة المنظمة، رغم ما تحققه تلك الأمسيات من نجاح فني وجماهيري على مستوى الحضور والتفاعل.
فخلف الأضواء والفرح، تقف أرقام مرهقة لا ترحم؛ إذ تصل تكلفة الحفل الذي لا تتجاوز سعته 600 شخص إلى ما يقارب 80 ألف ريال، تتوزع بين أجر الفنان الذي غالبًا ما يُحتسب بالدولار وفي بعض الأحيان يتجاوز مبلغ عشرة الف دولار وإيجار الموقع (لاونج أو كافيه)، إضافة إلى الفرقة الموسيقية، والتجهيزات الصوتية، والتنظيم، والتسويق.
لكن المفارقة الصادمة أن هذه التكاليف لا تُقابل بعائد يوازيها، بل كثيرًا ما تنتهي الحفلات بحصيلة مالية سالبة، ليغادر الجمهور وقد نال نصيبه من المتعة، بينما يبقى المنظّم وحيدًا في مواجهة الخسارة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل الخلل في تسعير الفنان؟ أم في إدارة التكلفة؟ أم في غياب نموذج اقتصادي متوازن لصناعة الترفيه السوداني في المهجر؟
إن تحميل المسؤولية لطرف واحد يُعد تبسيطًا مخلًا؛ فالمشكلة في جوهرها مركّبة.
فمن جهة، هناك تضخم في أجور بعض الفنانين لا يتناسب مع حجم السوق الفعلي ولا القدرة الشرائية للجمهور.
ومن جهة أخرى، يفتقر بعض المنظمين إلى دراسات جدوى دقيقة، أو استراتيجيات تسعير مرنة، أو أدوات تسويق احترافية قادرة على تعظيم الإيرادات وتقليل المخاطر.
إن الترفيه ليس مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل هو قيمة إنسانية وثقافية تُسهم في تعزيز الهوية وربط الجاليات بجذورها. غير أن هذه القيمة تفقد معناها حين تتحول إلى معادلة خاسرة تُرهق صانعها وتُضعف استدامتها.
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة صياغة هذا القطاع وفق أسس أكثر مهنية وعدالة، من خلال:

  • إعادة النظر في أجور الفنانين بما يتناسب مع حجم السوق
  • تبني نماذج شراكة قائمة على تقاسم المخاطر (بدلاً من الأجر الثابت المرتفع)
  • تحسين إدارة التكاليف التشغيلية
  • تطوير استراتيجيات تسويق تستهدف شرائح أوسع
  • خلق تجارب ترفيهية ذات قيمة مضافة تُبرر سعر التذكرة
    وفي المقابل، يمكن الاستلهام من التجارب الناجحة في المملكة، وعلى رأسها ما تقدمه الهيئة العامة للترفيه، التي أعادت تعريف مفهوم الترفيه عبر مبادرات نوعية مثل “انسجام عالمي”، حيث قُدِّمت فعاليات عالية الجودة، وبمعايير تنظيمية عالمية، وبوصول مجاني أو منخفض التكلفة لمختلف الجاليات، كما حدث في حديقة السويدي، مما رسّخ مفهوم الترفيه كخدمة مجتمعية قبل أن يكون مشروعًا ربحي.
    ختامًا، إن مستقبل الحفلات السودانية في الرياض مرهون بقدرتنا على تحقيق التوازن بين الفن والاقتصاد، بين الإبداع والاستدامة، وبين الطموح والواقع.
    فإما أن نعيد ضبط البوصلة… أو نستمر في دائرة الخسارة ذاتها، حيث يربح الجمهور لحظة، ويخسر القطاع مستقبلًا.
مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات