د. هيثم حسن عبد السلام
خبير شؤون المستهلك
يُعد حق المستهلك في الكفاية من الاحتياجات الأساسية أحد الحقوق الجوهرية التي أقرتها المواثيق الدولية لحماية المستهلك، ويقصد به ضمان حصول المواطن على السلع والخدمات الضرورية للحياة الكريمة، مثل الغذاء والماء والدواء والطاقة والسكن، بأسعار عادلة وجودة مقبولة وبصورة مستمرة دون انقطاع.
وفي الواقع السوداني، يكتسب هذا الحق أهمية استثنائية في ظل الظروف التي أعقبت الحرب وما صاحبها من تدمير للبنية الإنتاجية وتعطل سلاسل الإمداد وتراجع النشاط الاقتصادي في عدد من الولايات. وقد أفرزت هذه الأوضاع واقعًا معقدًا في الأسواق، تجلى في تفلت ملحوظ في الأسعار وتباين كبير بين منطقة وأخرى، الأمر الذي أثقل كاهل المستهلك وأضعف قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية.
إن ضمان هذا الحق لا يمكن أن يُترك لآليات السوق وحدها في مثل هذه الظروف الاستثنائية، بل يتطلب تدخلًا فاعلًا من الدولة عبر سياسات واضحة لحماية المستهلك وتحقيق قدر من التوازن في الأسواق. وهنا يبرز الدور المحوري للأجهزة الحكومية المختصة في الرقابة على الأسعار ومنع الممارسات الاحتكارية والتلاعب بقوت المواطنين.
ومن بين الأدوات المهمة في هذا السياق تفعيل إلزامية وضع الديباجة السعرية على السلع المعروضة، بما يضمن شفافية التعاملات التجارية ويمنح المستهلك حقه في معرفة السعر الحقيقي للسلعة قبل الشراء، إلى جانب تكثيف الحملات الرقابية للأسواق ومتابعة حركة السلع الأساسية.
كما يقع على عاتق وزارة التجارة والصناعة دور تنسيقي مهم في هذا الملف، عبر العمل المشترك مع مباحث التموين وإدارة حماية المستهلك والأمن الاقتصادي لضبط الأسواق، ومواجهة مظاهر الاحتكار والتخزين غير المشروع للسلع، خاصة في الفترات التي تشهد اضطرابات اقتصادية أو توقعات بارتفاع الأسعار.
ولا يمكن إغفال أن الأسواق السودانية تتأثر كذلك بالمتغيرات الإقليمية والدولية. فالتوترات الجيوسياسية، مثل تداعيات الصراع في منطقة الخليج، قد تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حركة التجارة العالمية وتكاليف النقل والطاقة، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قدر عالٍ من اليقظة الاقتصادية والاستعداد المبكر لضمان انسياب السلع الاستراتيجية، وتوفير مخزون كافٍ منها، حتى لا يتحمل المستهلك السوداني تبعات الأزمات الدولية فوق ما يعانيه أصلًا من آثار الحرب وتحديات التعافي الاقتصادي.
إن حماية حق المستهلك في الكفاية من الاحتياجات الأساسية أكبر من مجرد التزام قانوني أو إداري، إنما هي في جوهرها مسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلب تكاتف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع معًا. فاستقرار الأسواق وعدالة الأسعار ليسا فقط عاملين اقتصاديين، بل هما ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي وبناء الثقة في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي ظل هذه التحديات، يظل الهدف الأسمى هو أن يجد المستهلك السوداني احتياجاته الأساسية متاحة في الأسواق، بسعر عادل وجودة مضمونة، دون معاناة أو استغلال… وهو الحد الأدنى الذي يستحقه كل مواطن.
