تدخل دارفور اليوم مرحلة شديدة التعقيد، لم تعد فيها المسائل السياسية والإدارية تُقرأ ضمن إطار الدولة التقليدية أو السلطة الإقليمية كما نصت عليها الترتيبات السابقة، بل ضمن واقع جديد فرضته الحرب، حيث أصبحت السيطرة الميدانية بيد قوات الدعم السريع، في ظل ترتيبات سياسية تُطرح تحت مسمى “حكومة تأسيس” أو إدارة أمر واقع، ما جعل الإقليم يعيش حالة انتقال غير مكتمل بين الدولة واللا دولة.في هذا السياق، لم يعد الحديث عن أداء حاكم الإقليم أو مؤسسات اتفاق جوبا منفصلاً عن هذا التحول العميق، إذ فقدت كثير من تلك الهياكل قدرتها الفعلية على التأثير في الأرض، وباتت أقرب إلى رمزية سياسية منها إلى أدوات حكم وتنفيذ.أول الإشكالات الجوهرية تتمثل في ملف الأمن، حيث انتقل من كونه مسؤولية دولة مركزية إلى إدارة عسكرية ميدانية تفرضها القوة المسيطرة. ورغم محاولات فرض نوع من الانضباط، إلا أن طبيعة الحرب وتعدد الفاعلين المسلحين جعلت الاستقرار هشاً، وأبقى المدنيين في حالة قلق دائم من الانتهاكات أو النزاعات المحلية أو الصراع على الموارد.أما على مستوى الخدمات الأساسية، فإن الواقع يعكس تدهوراً واسعاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، مع اعتماد شبه كامل على المبادرات المحلية والمنظمات الإنسانية. وفي ظل ضعف التمويل وتقييد الحركة في بعض المناطق، بقي المواطن الدارفوري هو الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد.وفي جانب الحكم والإدارة، يبرز بوضوح خواء حاكم الإقليم وحكومته من مضامين الحكم الفعلية في ظل هذه الحرب وخروج معظم الإقليم عن السيطرة. فحاكم الإقليم وحكومته، في ظل غياب النفوذ التنفيذي الحقيقي وتفكك أدوات الدولة، بدوا أقرب إلى إطار إداري رمزي محدود الأثر، لا يمتلك القدرة على فرض سياسات أو تنفيذ قرارات على الأرض. هذا الواقع أفرغ موقع الحاكمية من كثير من مضامينها العملية، وحوّلها إلى موقع سياسي بلا أدوات حكم حقيقية، في ظل واقع تفرضه القوة المسيطرة ميدانياً، وتديره ترتيبات أمر واقع تتجاوز البنية الرسمية التقليدية.ولا يمكن فهم هذا الوضع دون التوقف عند تأثير الحرب الشاملة في السودان، التي لم تكتفِ بإعادة تشكيل موازين القوة، بل أدت إلى تفكيك جزء كبير من الترتيبات التي أُسست عليها اتفاقية جوبا. فقد تعطلت مسارات الدمج والتسريح، وتراجعت قدرة الدولة على فرض التزاماتها، بينما أعادت الحرب إنتاج سلطات موازية على الأرض، ما جعل الاتفاق نفسه يبدو في كثير من جوانبه وكأنه إطار سياسي تجاوزته الأحداث.كما أن هشاشة الاتفاقية منذ بدايتها، واعتمادها على المحاصصة السياسية أكثر من المعالجة الجذرية لقضايا دارفور، جعلها غير قادرة على الصمود أمام صدمة الحرب. ومع تغير موازين القوة، أصبح تطبيقها انتقائياً أو معطلاً في كثير من الملفات، خاصة تلك المتعلقة بالأمن والعدالة الانتقالية.في المقابل، برز المجتمع المحلي والإدارة الأهلية كفاعل رئيسي في محاولة ضبط الإيقاع الاجتماعي، عبر التوسط في النزاعات المحلية وتخفيف حدة التوترات، في وقت غابت فيه الدولة المركزية وضعفت فيه المؤسسات الرسمية.إن المشهد في دارفور اليوم لا يمكن اختزاله في طرف واحد أو سلطة واحدة، بل هو نتاج تشابك معقد بين قوة أمر واقع، وانهيار جزئي لمؤسسات الدولة، وضعف في الاتفاقيات السياسية، واستمرار لمعاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر.وفي المحصلة، فإن أي معالجة مستقبلية لا بد أن تنطلق من الاعتراف بهذا الواقع المركب، والعمل على تحويله من حالة صراع مفتوح إلى مسار تدريجي لإعادة بناء الدولة أو إعادة دمج الإقليم في إطار وطني شامل، يضع الإنسان الدارفوري في قلب الأولويات قبل أي ترتيبات سياسية أو عسكرية. ،،، سروري مع خالص تحياتي ،،،
