تحليل: أبوعبيده أحمد سعيد محمد saeed.abuobida5@gmail.com
في ظل الحرب الدائرة في السودان، لم يعد الحديث عن الاقتصاد حديثاً نظرياً أو بعيداً عن حياة الناس اليومية. كل ارتفاع في سعر الدولار ينعكس مباشرة على الغذاء والدواء والنقل، وكل قرار حكومي يتعلق بالاستيراد يظهر أثره سريعاً في السوق. وسط هذا الواقع، برزت فكرة حظر السلع الكمالية كأحد الأدوات التي يمكن أن تخفف الضغط على الجنيه السوداني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا الحظر قادر فعلاً على تغيير اتجاه الجنيه، أم أنه مجرد حل مؤقت داخل أزمة أعمق؟
لفهم ذلك، لا بد من النظر أولاً إلى صورة الاستيراد نفسها.
تشير التقديرات إلى أن السودان يحتاج سنوياً إلى حوالي 10 مليارات دولار لتغطية وارداته. هذا الرقم لا يتحرك بشكل عشوائي، بل يتوزع داخل ثلاث دوائر رئيسية تتحكم في حركة الدولار داخل الاقتصاد.
الدائرة الأولى والأكبر هي دائرة السلع الضرورية، مثل الغذاء والوقود والدواء. هذه وحدها تستهلك ما بين 55% إلى 65% من إجمالي الاستيراد، أي ما يقارب 6 إلى 6.5 مليار دولار سنوياً.
ثم تأتي دائرة السلع الإنتاجية، مثل الآلات ومواد الخام، بنسبة تتراوح بين 20% إلى 25%، أي حوالي 2 إلى 2.5 مليار دولار.
أما الدائرة الثالثة فهي السلع الاستهلاكية والكمالية، والتي تمثل ما بين 10% إلى 18% من الفاتورة الاستيرادية، أي ما يقارب 1 إلى 1.8 مليار دولار سنوياً.
هذه الدائرة الأخيرة هي التي أصبحت تحت المجهر.
في هذا السياق، صدر منشور مجلس الوزراء رقم 74 لسنة 2026 بتاريخ 12 أبريل 2026، والذي نص على حظر استيراد نحو 46 سلعة، من بينها الأرز، الفول المصري، الصلصة، الأعلاف، الأسمنت، صابون الغسيل والحمام، و الأثاث. وجاء القرار في إطار محاولة تقليل الطلب على النقد الأجنبي وإعادة توجيه الموارد نحو الاحتياجات الأساسية أو دعم الإنتاج المحلي.
وعند الانتقال من النص إلى الواقع، تبدأ الأسئلة الاقتصادية الدقيقة في الظهور.
إذا افترضنا أن هذا الحظر أدى إلى تقليص استيراد السلع الكمالية بنسبة 50%، فإن الوفر المتوقع في النقد الأجنبي سيكون في حدود 0.5 إلى 0.9 مليار دولار سنوياً. هذا الرقم يبدو كبيراً عند النظر إليه منفرداً، لكنه في الحقيقة لا يتجاوز 5% إلى 9% من إجمالي الطلب على الدولار.
وهنا تظهر النتيجة الأولى: التأثير موجود، لكنه محدود.
فأي تحسن في قيمة الجنيه السوداني في هذه الحالة لن يتجاوز غالباً 3% إلى 8%، وقد يكون تحسناً مؤقتاً أكثر منه تحولاً دائماً.
لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد.
في بيئة تعاني من حرب وهشاشة أمنية وضعف رقابة، لا يمكن النظر إلى الاستيراد الرسمي فقط. فكلما تم تقييد سلعة عليها طلب في السوق، لا تختفي هذه السلعة، بل تتحول تدريجياً إلى قنوات أخرى غير رسمية. وهنا يدخل عامل التهريب.
تشير التجارب الاقتصادية في بيئات مشابهة إلى أن ما بين 20% إلى 40% من السلع المقيدة أو المحظورة يمكن أن تنتقل إلى السوق الموازي إذا كانت الرقابة ضعيفة. وفي حالة السودان، ومع تعقيدات الوضع الأمني، قد تكون هذه النسبة أعلى.
وهذا التحول لا يعني فقط فقدان السيطرة على السوق، بل يعني أيضاً آثاراً مباشرة على الاقتصاد الرسمي:
• تراجع إضافي في الإيرادات الجمركية
• توسع الاقتصاد غير الرسمي
• صعوبة أكبر في إدارة سعر الصرف
• واستمرار الضغط على الجنيه ولكن عبر قنوات غير مرئية
وإذا عدنا إلى جانب الإيرادات، فإن الصورة تصبح أكثر حساسية. فحظر أو تقليل استيراد سلع كانت تمر عبر الجمارك يعني تلقائياً انخفاض الإيرادات الحكومية. وإذا كانت هذه السلع تمثل واردات بقيمة 1 إلى 1.8 مليار دولار، فإن الخسارة المحتملة في الإيرادات الجمركية قد تتراوح بين 100 إلى 400 مليون دولار سنوياً.
هكذا يصبح المشهد أكثر تعقيداً:
الدولة توفر دولاراً من جهة، لكنها قد تخسر إيرادات من جهة أخرى، بينما ينمو في الخلفية اقتصاد موازٍ يصعب ضبطه.
وعند النظر إلى الصورة الأشمل، يتضح أن أكثر من 60% من الواردات السودانية تذهب إلى سلع ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها، في حين أن الصادرات لا تغطي سوى 30% إلى 40% من الطلب على النقد الأجنبي. وهذا يعني أن الفجوة الأساسية في الدولار لا تأتي من الكماليات، بل من هيكل الاقتصاد نفسه.
لذلك، فإن حظر السلع الكمالية، رغم أهميته كأداة تخفيف ضغط، يظل إجراءً جزئياً داخل أزمة أكبر. فهو يبطئ المشكلة، لكنه لا يعالج جذورها.
ومن هنا تظهر فكرة التحول من “منع الاستيراد” إلى “إعادة بناء الاقتصاد”. وهذا يتطلب مساراً متدرجاً يقوم على تقليل الكماليات بشكل ذكي يتراوح بين 30% إلى 70%، مع تجنب خلق فجوة واسعة تدفع نحو التهريب، وفي الوقت نفسه تقوية الجمارك والرقابة للحد من الاقتصاد الموازي.
وبالتوازي مع ذلك، يصبح دعم الإنتاج المحلي ضرورياً، خاصة في الغذاء والسلع الأساسية، بهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد تدريجياً. كما أن زيادة الصادرات، خصوصاً في الذهب والزراعة، يمكن أن تضيف ما بين 1 إلى 2 مليار دولار سنوياً إذا أُديرت بكفاءة.
في النهاية، يظهر المشهد كمنظومة مترابطة: الاستيراد، الجمارك، التهريب، الإنتاج، والصادرات، كلها تتحرك معاً، وأي تغيير في جزء منها ينعكس على البقية.
وحينها فقط يمكن فهم أن حظر السلع الكمالية ليس نهاية المشكلة، بل مجرد بداية في طريق أطول لإعادة توازن الاقتصاد السوداني.
