بقلم: حمد يوسف حمد
يواجه المواطن السوداني اليوم اختباراً هو الأصعب في تاريخه الحديث؛ فهو لا يقف فقط في وجه آلة الحرب التي التهمت الأخضر واليابس، بل يجد نفسه عالقاً أمام واقع مرير تفرضه حكومة يصفها الشارع بـ “جنازة البحر”، ذلك الكيان الموجود شكلياً لكنه الفاقد للحركة والروح والقدرة على إنقاذ نفسه أو غيره. لقد فشلت حكومة د. كامل إدريس فشلاً ذريعاً في وضع حد للنزيف الاقتصادي الذي حوّل حياة السودانيين إلى جحيم يومي، وبدلاً من البرامج الإسعافية الحقيقية، شهدنا تآكلاً مخيفاً في قيمة العملة الوطنية التي انهارت أمام العملات الأجنبية، مما أدى لارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية جعل من “لقمة العيش” طموحاً بعيد المنال في ظل توقف شبه كامل لعجلة الإنتاج وغياب الرؤية لتشغيل القطاعات الحيوية.
إن العقلية الحكومية الراهنة انحرفت تماماً عن دورها الخدمي وتحولت إلى البحث عن موارد وجبايات من جيوب المواطن المنهك أصلاً، بدلاً من تقديم خدمات تبرر وجودها في السلطة. وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطن يداً تمتد لتضميد جراحه، وجد قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه في حالة شلل شبه تام، حيث تحولت المستشفيات إلى أطلال تفتقر لأبسط المقومات العلاجية، وأصبحت شعارات العودة للحياة الكريمة مجرد وعود سياسية جوفاء لا تجد طريقاً للتنفيذ، بينما يعاني النازحون والمهجرون الأمرين في سبيل الحصول على مأوى آمن أو جرعة دواء.
إن الفجوة بين السلطة والشعب لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي فقدان كامل وكلي للثقة؛ فقد وصل المواطن إلى قناعة راسخة بأن هذه الحكومة تعيش في برج عاجي منعزل، تبحث عن “شعب” وهمي لتحكمه، بينما يصارع هذا الشعب الحقيقي للبقاء على قيد الحياة بعيداً عن مؤسسات الدولة التي تخلت عنه في أحلك الظروف. المواطن السوداني اليوم يواجه عدوين في آن واحد: نار الحرب التي تلاحقه في أمنه، وبرودة تجاهل الحكومة التي لا تتحرك إلا لتعزيز كراسيها ومصالحها الضيقة.
إن الاستمرار في سياسة تسيير الأعمال وسط كارثة وطنية بهذا الحجم هو بحد ذاته فشل معجل، فلا يمكن بناء دولة بمؤسسات متهالكة ورؤية ضبابية غارقة في الفشل. إن العودة للحياة الكريمة تتطلب أولاً وقبل كل شيء حكومة تشعر بوجع المواطن قبل أن تطالبه بالولاء، حكومة تدرك أن شرعيتها تستمد من قدرتها على الإطعام من جوع والـتأمين من خوف، وإلا ستظل هذه الحكومة مجرد “جنازة” تنتظر من يواريها الثرى في ذاكرة الشعب الجماعية التي لا ترحم المتخاذلين.
