الأربعاء, فبراير 25, 2026
الرئيسيةمقالاتلماذا لم تُصنَّف مليشيا الدعم السريع “منظمة إرهابية” رغم اتهامات جرائم الحرب؟...

لماذا لم تُصنَّف مليشيا الدعم السريع “منظمة إرهابية” رغم اتهامات جرائم الحرب؟ قراءة في تعقيدات القانون والسياسة


بقلم د. إسماعيل الحكيم
بعد أحداث مستريحة الأخيرة وإستباحتها من قبل المليشيا فازدادت بها المأساة السودانية، ليتردد سؤال مشروع ومؤلم: لماذا لم تُصنَّف مليشيا الدعم السريع “منظمة إرهابية”، رغم التقارير الحقوقية والإعلامية التي نسبت إليها ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟
السؤال في جوهره ليس قانونياً صرفاً بقدرما هو سياسي وأخلاقي في آنٍ واحد. وهو يعكس فجوة واسعة بين شعور الضحايا بالعدالة المستحقة، وبين إيقاع النظام الدولي البطيء، وحساباته المركبة. في محاولة للاجابة على هذا السؤال المحوري .. لابد من هذه الوقفات :
أولاً: إن القانون الدولي يفرّق بين “جرائم الحرب” و”الإرهاب”.
فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية توصيفات جنائية ترتبط بسلوكيات تُرتكب أثناء النزاعات المسلحة، ويُحاسَب عليها الأفراد أمام القضاء الوطني أو الدولي.
أما “الإرهاب”، فليس له تعريف دولي موحّد جامع مانع، بل هو تصنيف سياسي–قانوني تتخذه الدول أو التكتلات الإقليمية وفق معاييرها الخاصة. وبالتالي، فإن ثبوت وقوع جرائم جسيمة لا يقود تلقائياً إلى تصنيف الجهة الفاعلة كمنظمة إرهابية.
ثانياً: لا توجد جهة دولية مركزية تُصدر حكماً تلقائياً بتصنيف أي فاعل مسلح “إرهابياً”. فالتصنيف يتم عبر قرارات سيادية لدول بعينها، أو عبر أطر إقليمية، أو بموجب قرارات من مجلس الأمن. وكل مسار من هذه المسارات تحكمه اعتبارات سياسية معقدة، لا اعتبارات قانونية مجردة.
وهنا تتكشف إحدى حقائق النظام الدولي: التصنيف ليس توصيفاً أخلاقياً بقدر ما هو أداة سياسية ذات تبعات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية.
ثالثاً: دائماً في النزاعات الداخلية، تميل بعض القوى الدولية إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى تلك المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة. وتصنيف أحد الأطراف “إرهابياً” يعني عملياً إغلاق باب الوساطة، وتجريم أي اتصال مباشر، وهو ما قد يعرقل – من منظور بعض العواصم – مسارات التفاوض.إلى جانب ذلك، تتداخل في المشهد السوداني مصالح إقليمية واقتصادية وعسكرية، تجعل بعض الدول تتردد في اتخاذ خطوة لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية قد تنعكس على علاقاتها وتحالفاتها. فالنظام الدولي، كما تكشف التجارب، تحكمه شبكة مصالح قبل أن تحكمه لغة المبادئ.
رابعاً: التاريخ المعاصر يُظهر بوضوح أن توصيف “الإرهاب” لم يكن دائماً معيارياً خالصاً، بل خضع في كثير من الأحيان لميزان القوة والموقع السياسي. فهناك جماعات ارتكبت فظائع ولم تُصنَّف إرهابية، وأخرى صُنِّفت لأسباب تتجاوز الفعل الجنائي ذاته. هذه الانتقائية – سواء أكانت واقعة سياسية أم ازدواجية معايير – تغذي شعوراً عميقاً لدى الشعوب بأن العدالة الدولية ليست دائماً متساوية في تطبيقها.
خامساً : قد تصدر إدانات قوية، وتقارير حقوقية مفصلة تتحدث عن انتهاكات جسيمة، لكن الإدانة شيء، والتصنيف القانوني الرسمي شيء آخر. فالإدانة خطاب وضغط سياسي.
أما التصنيف فهو قرار ذو تبعات قانونية مباشرة، يتطلب توافقاً سياسياً غالباً ما يكون عصياً في الملفات المعقدة.

ان عدم تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية لا يعني بالضرورة نفي الجرائم المنسوبة إليها، بل يعكس تعقيدات:
• غياب تعريف دولي موحد للإرهاب
• الطبيعة السيادية لقرارات التصنيف
• حسابات التفاوض في النزاعات الداخلية
• توازنات المصالح الإقليمية والدولية
• والانتقائية التي وسمت تطبيق بعض المعايير الدولية
غير أن السؤال الأخلاقي يظل قائماً:
هل يُقاس الإرهاب بالمسميات، أم بالأفعال؟ وهل يكفي أن توثَّق الجرائم في التقارير، دون أن تُترجم إلى توصيفات توازي حجم المأساة في وعي العالم؟
قد يتأخر التصنيف، وقد تتباطأ العدالة، لكن التاريخ يُظهر أن الحقائق الكبرى لا تختفي، بل تنتظر لحظة سياسية تسمح لها بأن تتحول من وثائق إلى أحكام، ومن آلام صامتة إلى مساءلة معلنة.
وفي النهاية، يبقى الرهان على وعي الشعوب، وعلى إرادة قانونية دولية تملك الشجاعة لتجعل المعايير واحدة… لا تتبدل بتبدل المصالح.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات