مهدي داود الخليفة
لم يكن من السهل الدخول في سجالٍ سياسي حول “الخطوط الحمراء” التي أعلنها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على هامش قمة الاتحاد الإفريقي، لولا تكرار المفهوم بصيغة توحي بأن السودان بات ساحة تعريف للمصالح لا شريكًا في صياغتها.
لقد ظلّ الاعتقاد راسخًا لدى كثير من السودانيين أن العلاقة مع مصر أكبر من الحكومات العابرة، وأعمق من التحالفات المؤقتة، وأن ما يجمع وادي النيل من تاريخٍ وجغرافيا وثقافةٍ ومصالح استراتيجية يفوق ما قد يفرّق بينهما من اختلاف في الرؤى أو أولويات اللحظة.
غير أن الأزمة السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 أعادت طرح سؤالٍ جوهري:
ما هي الخطوط الحمراء المصرية في السودان؟ وما هي الخطوط الحمراء السودانية التي لا يجوز تجاوزها؟
وهل يمكن تحويل مفهوم “الخطوط الحمراء” من أداة ردعٍ متبادل إلى قاعدة تفاهمٍ استراتيجي مشترك؟
تتأسس المقاربة المصرية للملف السوداني على ثلاثة اعتبارات رئيسية:
الأمن القومي ووادي النيل
ترى القاهرة أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، بحكم الامتداد الجغرافي والتداخل السكاني وارتباط ملف مياه النيل. وقد ظلّ هذا التصور حاضرًا منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر مرورًا بتحولات ما بعد اتفاقية كامب ديفيد، وحتى المرحلة الراهنة.
وحدة الدولة ورفض التفكك
التصريحات المصرية الأخيرة تؤكد رفض تقسيم السودان، وهو موقف يتسق مع خشية القاهرة من نشوء كيانات هشة على حدودها الجنوبية، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وهجرات ونشاط جماعات مسلحة.
الاعتراف بالجيش كمؤسسة دولة
أكد الوزير المصري رفض “المساواة بين الجيش الوطني ومليشيات غير شرعية”، في إشارة واضحة إلى الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وهنا تتجلى “الخطوط الحمراء” المصرية في رفض أي ترتيبات سياسية تُضعف المؤسسة العسكرية أو تساويها بتشكيلات مسلحة موازية.
إذا كان لمصر خطوطها، فإن للسودانيين أيضًا ثوابت لا تقبل المساومة:
وحدة السودان أرضًا وشعبًاة
وحدة التراب الوطني ليست مجرد شعار سياسي، بل جرحٌ تاريخي مفتوح بعد انفصال الجنوب عام 2011. أي مسار يُفضي إلى تفتيت جديد سيواجه رفضًا شعبيًا واسعًا.
الدولة المدنية الديمقراطية
المطلب الجوهري للقوى المدنية السودانية هو قيام دولة مدنية ديمقراطية قائمة على التعددية الحزبية، وسيادة القانون، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة.
عدم التدخل في الشؤون الداخلية
السودانيون يرفضون أن يُختزل مستقبلهم في تفاهمات إقليمية لا تشرك قواهم السياسية والمدنية. إن دعم أي طرف عسكري على حساب مشروع التحول المدني يُعدّ تجاوزًا لخطٍ أحمر.
رفض عودة تنظيم الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي
بعد ثلاثين عامًا من حكم الإخوان المسلمون في السودان، وما رافقه من استبدادٍ وحروبٍ وعزلة دولية، أصبح هناك إجماع واسع في التيار الديمقراطي على أن عودة هذا المشروع تمثل انتكاسة تاريخية تهدد مسار التحول المدني وتُعيد البلاد إلى دوامة الشمولية والانقسام.
السؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا ينحصر الخطاب المصري غالبًا في التواصل مع حكومة الأمر الواقع، رغم إدراك الجميع أن مستقبل السودان لن يُصاغ إلا عبر عملية سياسية شاملة؟
إن التواصل مع الفاعلين المدنيين لا يعني خصومة مع المؤسسة العسكرية، بل يعكس إدراكًا بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا عبر شرعية شعبية.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الرهان على السلطة القائمة دون استشراف التحولات المجتمعية يحمل مخاطر استراتيجية.
اللغة الدبلوماسية التي تتحدث عن “رد حاسم وصارم وقوي” قد تكون مفهومة في سياق التحذير، لكنها في الحالة السودانية تحتاج إلى توازن دقيق، لأن أي تصعيد لفظي يُقرأ داخليًا باعتباره اصطفافًا.
الأجدى هو الانتقال من مفهوم “الخطوط الحمراء” إلى مفهوم “المصالح المشتركة غير القابلة للمساس”، وهي تشمل:
منع تقسيم السودان.
وقف الحرب وسحب السلاح من الفضاء السياسي.
إطلاق عملية انتقال مدني ذات مصداقية.
تنسيق أمني واقتصادي يحمي وادي النيل من الفوضى.
و لهذا الهدف يمكن اقتراح أربعة مسارات عملية:
حوار مصري–سوداني متعدد المسارات يشمل القوى المدنية والأحزاب والنقابات، لا الاقتصار على الحكومات.
دعم مسار مدني ديمقراطي يضمن شراكة الجيش في حماية الدولة لا في حكمها.
آلية تنسيق إقليمي عبر الهيئة الحكومية للتنمية توازن بين الاعتبارات الأمنية والتحول السياسي.
إعلان مشترك للمبادئ يؤكد احترام السيادة وعدم التدخل، مقابل التزام سوداني بحماية الأمن المائي والإقليمي.
العلاقة بين السودان ومصر ليست علاقة ظرفٍ سياسي، بل علاقة قدرٍ جغرافي وتاريخٍ متداخل.
غير أن الاحترام المتبادل يقتضي الاعتراف بأن للسودانيين، كما للمصريين، خطوطًا حمراء.
إن السودان الذي ينشده شعبه هو دولة موحدة، مدنية، ديمقراطية، لا تُدار بالوصاية ولا تُختزل في معادلات أمنية.
ومصر التي يتطلع إليها السودانيون شريكًا استراتيجيًا هي مصر التي تراهن على استقرارٍ مستدام يقوم على الشرعية الشعبية، لا على موازين القوة المؤقتة.
فالخط الأحمر الحقيقي الذي لا ينبغي تجاوزه هو حق الشعب السوداني في تقرير مستقبله بحرية، وحق الشعبين في علاقة قائمة على الندية لا التبعية، وعلى الشراكة لا الاصطفاف.
