بقلم: مصطفى بشير عيسى
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتجه الأنظار إلى إثيوبيا، لا باعتبارها جاراً للسودان فحسب، بل بوصفها رقماً صعباً في معادلة أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالمعلومات المتقاطعة، والتقارير الإعلامية، وصور الأقمار الصناعية المتداولة، كلها تشير إلى تحركات مقلقة في إقليم بني شنقول، خاصة محيط أصوصا، حيث يُتداول عن وجود معسكرات وتدريب لعناصر المليشيا داخل الأراضي الإثيوبية.
إن صحّت هذه المعطيات، فنحن لا نتحدث عن دعم سياسي عابر، بل عن تموضع أمني خطير قد يفتح جبهة شرق السودان، ويحوّل الحدود إلى منصة تهديد مباشر. وهنا تكمن خطورة المشهد: فالسودان لا يعيش نزاعاً داخلياً فحسب، بل يقف على تماس مع توازنات إقليمية دقيقة تمس أمن البحر الأحمر وممراته الحيوية.
الحديث عن تعاون إماراتي–إثيوبي في هذا السياق – إن ثبت – لا يمكن عزله عن تداعياته الاستراتيجية. فتمكين مليشيا مسلحة من ملاذات خلفية داخل دولة مجاورة يغيّر قواعد الاشتباك، ويهدد بنقل الصراع من الداخل السوداني إلى الإقليم بأسره. هذا ليس عملاً عدائياً ضد الخرطوم فقط، بل مقامرة قد ترتد على إثيوبيا نفسها، التي تواجه تحديات داخلية معقدة ولا تحتمل فتح أبواب صراعات جديدة على حدودها الغربية.
الأمر لا يقف عند حدود السودان. أمن البحر الأحمر يرتبط عضوياً باستقرار السودان، وهو ما تدركه دول الإقليم، وفي مقدمتها مصر والسعودية، فضلاً عن القوى الدولية المعنية بأمن الممرات البحرية. أي عبث بالحدود الشرقية للسودان أو إنشاء منصات دعم لمليشيات مسلحة سيُقرأ كتهديد مباشر للتوازن البحري والأمني في المنطقة.
ثم إن إثيوبيا، بحكم موقعها الجغرافي، لا تستطيع تحمل عزلة إقليمية أو توتر مفتوح مع محيطها العربي والإفريقي. فتح جبهة شرق السودان أو توفير غطاء لمعسكرات تدريب في بني شنقول لن يُفسَّر باعتباره ورقة ضغط سياسية، بل كخطوة تصعيدية قد تستدعي اصطفافات إقليمية مضادة، وهو سيناريو لا يخدم أحداً.
الرسالة هنا واضحة:
إن استقرار السودان ليس شأناً سودانياً خالصاً، بل ركيزة لاستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وأي دعم لمليشيات مسلحة، أو تسهيل لتحركاتها من أصوصا أو غيرها، سيضع المنطقة كلها أمام احتمالات انفجار واسع.
الحكمة تقتضي أن تكف إثيوبيا عن أي مسار يُفهم كإسناد عسكري أو لوجستي لقوى متمردة، وأن تعود إلى مربع احترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضيها منصة لتصفية حسابات. فالنيران التي تُشعل في الأطراف لا تبقى هناك طويلاً.
القرن الإفريقي لا يحتمل حرباً بالوكالة جديدة.
والبحر الأحمر لا يحتمل مغامرات غير محسوبة.
ومن يظن أنه يلعب بورقة ضغط محدودة… قد يجد نفسه أمام حريق لا يمكن إطفاؤه
