إن التصريحات السياسية ليست كلها تُقرأ بسطح كلماتها، فبعضها يحمل بين السطور ما هو أعمق من الخبر، وأخطر من الحدث الآني. ومن هذا الباب تبرز تصريحات الفريق إبراهيم جابر بوصفها مؤشرًا يتجاوز اللحظة، لتفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة العلاقة بين مكونات السلطة، ومدى انسجامها في إدارة الدولة وهي تعبر واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا.
إن الحديث عن ضعف الجهاز التنفيذي والعمل في جزرٍ معزولة لا يمكن عزله عن السياق العام الذي يعيشه السودان؛ سياقٌ تتقاطع فيه التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التناغم المؤسسي، لا إلى تعدد مراكز القرار أو تضارب الرؤى. فالدول لا تسقط فجأة، وإنما تبدأ رحلة الوهن حين تتباعد مؤسساتها وتفقد اللغة المشتركة التي تضبط إيقاع الفعل الوطني.
القراءة المتأنية لهذه التصريحات تضعنا أمام مشهد يبدو فيه غياب الانسجام بين المجلس السيادي والجهاز التنفيذي حقيقة يصعب تجاهلها. وعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى مساحات عمل منفصلة، كلٌ يدير معركته الخاصة، فإن النتيجة الطبيعية ليست فقط بطء الأداء، بل اهتزاز الثقة العامة في قدرة الدولة على إدارة المرحلة.
والخطر هنا لا يكمن في الاختلاف السياسي، فالاختلاف سمة صحية في النظم الحية، وإنما في غياب التنسيق الذي يحول الاختلاف إلى شلل، ويحول تباين الرؤى إلى تنازع غير معلن على الاتجاه. وحين يغيب التناغم، يصبح القرار الوطني رهين ردود الأفعال بدلاً عن التخطيط، وتتحول إدارة الأزمة إلى إدارة يومية تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.
إن بدايات انهيار البناء البنيوي لأي دولة لا تظهر في انهيار الجدران، بل في تصدّع الأعمدة التي تحملها من الداخل. فإضعاف الحكومات لا يبدأ من ضغط الخارج وحده بقدر ما يبدأ من تآكل الداخل؛ من مؤسسات لا تستمع لبعضها، ومن مسؤوليات تتداخل حتى تضيع المحاسبة، ومن خطاب سياسي لا يترجم إلى فعل تنفيذي متماسك.
السودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من التصريحات بقدر ما يحتاج إلى مراجعة صادقة لآليات العمل بين مراكز القرار. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن اللحظات الحرجة لا تحتمل إدارة مشتتة، وأن الدول التي نجت من الأزمات الكبرى لم تكن تلك التي امتلكت موارد أكثر، بل تلك التي امتلكت وحدة قرار وضوح رؤية.
إن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذا الجدل ليست الإدانة ولا الاصطفاف، بل التنبيه. فمرحلة ما بعد الحرب لا تُبنى بالشعارات، وإنما ببناء جهاز تنفيذي قوي يعمل في تناغم مع القيادة السيادية، وفق مشروع وطني واضح تتقاطع عنده المصالح وتتوحد عنده الأولويات.
ليبقى أن أخطر ما قد يواجه السودان في هذه المرحلة ليس العدو الظاهر، ولا الضغوط الخارجية، بل استمرار هذا الخلل البنيوي في إدارة الدولة. فالدول لا تُهزم فقط في ميادين القتال، بل تُهزم أيضاً حين تفشل في تنسيق عقلها السياسي مع ذراعها التنفيذي.
إن تجاهل هذه الإشارات، أو التقليل من خطورتها، ليس سوى تأجيل لانفجار داخلي صامت، يبدأ بالارتباك، وينتهي بفقدان الدولة لهيبتها ووظيفتها. وحينها لن يكون السؤال: من أخطأ؟ بل: لماذا لم ينتبهوا حين كان التنبيه ما يزال ممكنًا؟
