الخميس, فبراير 12, 2026
الرئيسيةمقالاتنَهْرُ النِّيلِ تَمْضِي بِثَبَاتٍ نَحْوَ الأَمْنِ الغِذَائِيّ ...

نَهْرُ النِّيلِ تَمْضِي بِثَبَاتٍ نَحْوَ الأَمْنِ الغِذَائِيّ تَدْشِينُ الجِرَارَاتِ وَالمَخَازِنِ الزِّرَاعِيَّةِ يُعَزِّزُ الإِنْتَاجَ وَيَدْعَمُ المُزَارِعِينَ

✒️ الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل محمد
حينَ وَقَفْتُ هناك…
لم أكن أقفُ على تُرابٍ عاديّ،
كنتُ أقفُ على ذاكرةِ وطن،
على عَرَقِ المُزارِعِينَ،
وعلى دُعاءِ الأُمَّهَاتِ بينَ الأَكُفّ،
يَنْتَظِرْنَ حَصَادَ الصَّبْرِ قبلَ حَصَادِ القَمْح.
كانتِ الشَّمْسُ تَمْسَحُ جَبِينَ الأَرْضِ بلُطْف،
وكانتِ الرِّيحُ تَمُرُّ بينَ السَّنَابِلِ كأنَّها تُرَتِّلُ نَشِيدَ الحَيَاة،
وفي الأُفُق…
كانتِ الجِرَارَاتُ تَصْطَفُّ،
لا كآلاتٍ صَمَّاء،
بل كفُرْسَانٍ من حَدِيد،
جَاؤوا لِيَحْرُثُوا اليَأْس،
ويَزْرَعُوا الأَمَل.
في ذلكَ المَشْهَد،

لم تكنِ المُنَاسَبَةُ مُجَرَّدَ “تَدْشِينِ مُعِدَّات”،
بل كانتْ إِعْلَانًا صَرِيحًا
أنَّ ولايةَ نَهْرِ النِّيلِ اخْتَارَتْ أنْ تَعِيش،
أنْ تَزْرَع،
أنْ تُنْتِج،
وأنْ تكونَ سَلَّةً للوَطَن، لا سَاحَةَ انْتِظَار.
هنا…
في قَلْبِ الوِلَايَة،
حيثُ يَتَحَالَفُ النِّيلُ معَ الشَّمْس،
وحيثُ لا تَخُونُ الأَرْضُ مَن يَخْدِمُهَا،
مَدَّ صُنْدُوقُ نَقْلِ التِّقَانَةِ وَالتَّنْمِيَةِ الزِّرَاعِيَّةِ يَدَهُ لِلْمُزَارِع،
لا بالوُعُود،
بل بالجِرَارَات،
والآلات،
وبالفِعْلِ الصَّادِق.
رَأَيْتُ بعَيْنَيَّ

كيفَ تَتَحَوَّلُ الفِكْرَةُ إلى وَاقِع،
وكيفَ يُتَرْجَمُ التَّخْطِيطُ إلى حَرَكَة،
وكيفَ تُصْبِحُ عَشْرُ جِرَارَات
وحَاصِدَةٌ وَاحِدَة
جِسْرًا بينَ الحُلْمِ والحَصَاد.
كانَ المَشْهَدُ مَهِيبًا…

✨الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ البَدَوِيُّ عَبْدُ المَاجِد،
وَالِي وِلَايَةِ نَهْرِ النِّيل،
يَتَحَدَّثُ لا كَمَسْؤُولٍ خَلْفَ مَكْتَب،
بل كَقَائِدٍ يَعْرِفُ قِيمَةَ كُلِّ حَبَّةِ قَمْح،
وكُلِّ قَطْرَةِ عَرَق،
وكُلِّ مَوْسِمٍ نَاجِح.
تَحَدَّثَ عنِ الزِّرَاعَةِ الآلِيَّة،
وعنِ التَّوَسُّعِ في الصَّادِر،
وعنِ المَطَار،
وعنِ المِينَاءِ الجَاف،
وعنِ المُبَرِّدَاتِ القَادِمَة،
وكأنَّ الوِلَايَةَ تَرْسِمُ خَارِطَةَ مُسْتَقْبَلِهَا
بوعيٍ وثِقَة.

✨ولم يكنْ دَوْرُ وِزَارَةِ الزِّرَاعَة،
بقيادةِ المُهَنْدِسِ صَلَاحِ الدِّينِ عَلِيٍّ مُحَمَّدٍ أَحْمَد،
دَوْرًا بُرُوتُوكُولِيًّا،
بل كانَ حَاضِرًا في تَفَاصِيلِ العَمَلِ اليَوْمِيَّة،
منَ التَّخْطِيطِ إلى التَّنْفِيذ،
ومنْ تَذْلِيلِ العَقَبَاتِ إلى مُتَابَعَةِ الصِّيَانَةِ وَالتَّأْهِيل،
لِيُؤَكِّدَ أنَّ المَشْرُوعَ ثَمَرَةُ جُهْدٍ مُؤَسَّسِيٍّ مُتَكَامِل،
لا مُجَرَّدَ فَعَالِيَّةٍ عَابِرَة.
ولم يكنَ هذا الحضورُ مجرَّدَ أداءٍ إداريّ،
بل تجلِّيًا لقِيادةٍ تعرفُ طريقَ التُّرَاب،
وتؤمنُ أنَّ الزِّراعةَ تبدأُ من الأرضِ لا من المكاتب.
وزيرٌ يمشي مع التُّرَاب… لا فوقه،
يُنصتُ لهمومِ المُزارعين،
ويتابعُ التفاصيلَ الصغيرةَ قبلَ القراراتِ الكبيرة،
ويحملُ في قلبِه “كَرْكَبَه” المشروعَ،
ذاك القلبُ الذي لا يهدأ،
ولا يعرفُ الرّكونَ للراحة،
حتى يرى البذرةَ سنبلة،
والتعبَ حصادًا،
والحلمَ واقعًا.
بهذا النهج،

تحوَّلَ العملُ من شعاراتٍ إلى مسارات،
ومن خططٍ إلى حقولٍ نابضة،
ليؤكّدَ أنَّ القيادةَ الحقيقية
هي التي تنزلُ إلى الميدان،
وتصنعُ الإنجازَ بعرقها قبلَ توقيعها.
وحينَ تَحَدَّثَ،
شَعَرْتُ أنَّ الكَلِمَاتِ خَرَجَتْ منْ قَلْبِ المَشَارِيعِ نَفْسِهَا،
لا منْ مَنْصَّةِ خِطَاب،
تَحَدَّثَ عنْ صَبْر،
وتَرَاكُمِ خِبْرَات،
وتَعَاوُن،
وعَمَلٍ لا يَعْرِفُ التَّوَقُّف.

كما حَمَلَ حُضُورُ قِيَادَاتِ وِزَارَةِ المَالِيَّة،
وَوِزَارَةِ الِاسْتِثْمَار،
والبُنَى التَّحْتِيَّة،
والشُّؤُونِ الِاجْتِمَاعِيَّة،
دَلَالَةً وَاضِحَة
على أنَّ المَشْرُوعَ يَحْظَى بِإِسْنَادٍ حُكُومِيٍّ شَامِل،
يَرْبِطُ بينَ التَّمْويلِ وَالإِنْتَاجِ وَالخِدْمَات،
في رُؤْيَةٍ وَاحِدَةٍ تَهْدِفُ لِتَرْسِيخِ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدَامَة.
وفي الزَّوَايَا…
كانَ المُزَارِعُونَ يَبْتَسِمُونَ بِصَمْت،
تِلْكَ الِابْتِسَامَةُ الَّتِي لا تُشْتَرَى،
لأنَّهَا وُلِدَتْ منَ الأَمَل.

✨مُدِيرُ صُنْدُوقِ نَقْلِ التِّقَانَةِ وَالتَّنْمِيَةِ الزِّرَاعِيَّةِ،
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو القَاسِم،
لم يكنْ يُعَدِّدُ أَرْقَامًا فَقَط،
بل كانَ يَحْكِي قِصَّةَ عَامٍ كَامِلٍ منَ العَمَل،
قِصَّةَ تِسْعِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ مِلْيُونَ جُنَيْه
تَحَوَّلَتْ منْ أَرْقَامٍ في دَفَاتِر
إلى حَيَاةٍ في الحُقُول،
وإلى فُرَصِ إِنْتَاجٍ حَقِيقِيَّة.
وها هو حَجَرُ الأَسَاس
لِلْمَخْزَنِ العُمُومِيِّ الجَاف يُوضَع،
كأنَّنَا نَضَعُ حَجَرًا
في جِدَارِ الأَمْنِ الغِذَائِيّ،
وكأنَّنَا نُثَبِّتُ خُطْوَةً جَدِيدَة
في طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ وَالِاسْتِقْرَار.
في تِلْكَ اللَّحْظَة،

أَدْرَكْتُ أنَّ الزِّرَاعَة
لَيْسَتْ مِحْرَاثًا فَقَط،
ولَيْسَتْ مَاءً وَبُذُورًا،
بل رُؤْيَة،
وشَرَاكَة،
وإِرَادَةُ دَوْلَة.
أَدْرَكْتُ أنَّ هَذِهِ الجِرَارَات
لَيْسَتْ مُجَرَّدَ آلَات،

بل رَسَائِلُ تَقُولُ لِلْمُزَارِع:
“لَسْنَا وَحْدَكَ”.
وتَقُولُ لِلْوَطَن:
“نَحْنُ نَزْرَعُ لِنَحْمِيك”.

ويبقى السُّؤَالُ الأَهَمّ:
مَاذَا بَعْدَ التَّدْشِين؟
الإِجَابَةُ تَبْدَأُ منْ تَشْغِيلِ هَذِهِ الآلِيَّات
في المَشَارِيعِ المُسْتَهْدَفَة،
وتَوْزِيعِهَا بِعَدَالَة،
ومُتَابَعَةِ أَدَائِهَا،
ورَبْطِهَا بِخُطَطِ الإِنْتَاجِ وَالتَّسْوِيق،
حتى لا تَتَحَوَّل
منْ أَدَوَاتِ تَغْيِير
إلى صُوَرٍ في الأَرْشِيف.
فالرِّهَانُ الحَقِيقِيّ
لَيْسَ في لَحْظَةِ التَّدْشِين،
بل في الِاسْتِمْرَارِيَّة،
وحُسْنِ الإِدَارَة،
وصِيَانَةِ الإِنْجَاز،
وحِمَايَتِهِ منَ التَّرَاجُع.

منْ هُنَا…
منْ بَيْنِ هَدِيرِ المُحَرِّكَات،
ورَائِحَةِ التُّرَابِ المُبْتَلِّ بِالحُلْم،

أَكْتُبُ شَهَادَتِي لِلتَّارِيخ:
أنَّ وِلَايَةَ نَهْرِ النِّيل
لا تَزْرَعُ أَرْضَهَا فَقَط،
بل تَزْرَعُ مُسْتَقْبَلَ السُّودَان.
وأنَّ صُنْدُوقَ نَقْلِ التِّقَانَة
لم يكنْ إِدَارَة،
بل كانَ نَبْضًا
في جَسَدِ الزِّرَاعَة.
وأنَّ هَذَا اليَوْم
لم يكنْ فَعَالِيَّة،
بل وَعْدًا.
وَعْدٌ بأنْ يَبْقَى هَذَا الوَطَنُ وَاقِفًا
ما دَامَتْ فِيهِ أَيْدٍ تَزْرَع،
وقُلُوبٌ تُؤْمِن،
وعُقُولٌ تُخَطِّط.

سَلَامٌ على الأَرْضِ حينَ تُرْوَى بِالصِّدْق،
سَلَامٌ على المُزَارِعِ حينَ يُحْتَرَم،
سَلَامٌ على وَطَنٍ
يَفْهَمُ أنَّ الزِّرَاعَة…
هِيَ أَوَّلُ طَرِيقِ السِّيَادَة.

✨”في الأرضِ، في القلوب، في الحقول… سلامٌ وأمان… فالعدلُ ميزان”✨

توقعي :
أنا الرسالة حين يضيع البريد
أَنَا صوتُ الأرضِ حينَ تتكلّم
وسطرُ الوطنِ حينَ يُكتَب
من نبضِ نهرِ النيل
إلى ضميرِ الوطن
أكتبُ للوطن… لا عنه
أنا امرأة من حبر النار
✒️ عبير نبيل محمد

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات