الكاتب والمحلل السياسي/ زكريا ادم علي
لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع عسكري أو خلاف سياسي عابر، بل تحوّلت إلى أزمة دولة مكتملة الأركان، كشفت هشاشة البناء السياسي، وضعف الخيال الوطني في إدارة التنوع وحماية الاستقرار. فالحرب الدائرة اليوم ليست سبب الانهيار، بقدر ما هي نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإخفاقات البنيوية.
منذ اندلاع القتال، بدا المشهد السياسي عاجزاً عن مواكبة حجم الكارثة. قوى ادّعت تمثيل الشارع اكتفت بخطاب إنشائي لا يقدّم حلولاً، بينما غابت الرؤية الوطنية الجامعة القادرة على مخاطبة جذور الأزمة. في المقابل، ظل المواطن يدفع الثمن الأكبر من أمنه ومعاشه ومستقبله، في ظل صمت أو ارتباك النخب.
لقد عرّت الحرب خلل الدولة المركزية التي حكمت السودان بعقل الوصاية، وتعاملت مع الأقاليم باعتبارها هوامش تابعة لا شركاء في الوطن. دارفور، المنطقتان، الشرق، وأطراف الوسط، جميعها عانت من سياسات التهميش والإقصاء، ما جعل النزاعات تتجدد بأشكال مختلفة، بينما فشلت السلطة المركزية في بناء دولة عادلة ومتوازنة.
الأخطر من استمرار الحرب هو غياب تصور واقعي للخروج منها. فلا توجد حتى الآن رؤية سياسية متفق عليها، ولا مشروع وطني قادر على تجاوز منطق الغلبة والانتصار العسكري إلى أفق بناء الدولة. ويظل الرهان على الخارج أو على إنهاك الخصوم مقامرة خطرة بوحدة البلاد ومستقبلها.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن بناء دولة مدنية مستقرة يقتضي وجود مؤسسة عسكرية مهنية، موحدة، تلتزم بدورها الدستوري وتبتعد عن العمل السياسي. كما لا يمكن القبول باستمرار تعدد الجيوش أو السلاح خارج إطار الدولة، لأن ذلك يهدد أي انتقال سياسي حقيقي.
الحديث عن العودة إلى ما قبل الحرب يتجاهل حقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك. المطلوب ليس استعادة واقع كان مأزوماً في الأساس، بل إحداث قطيعة واعية مع ممارسات الإقصاء واحتكار السلطة والثروة، ومع نمط حكم أثبت فشله في إدارة البلاد.
إن السودان في حاجة ماسة إلى عقد وطني جديد، يقوم على نظام حكم فدرالي حقيقي، يضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والموارد، ويعالج جذور التهميش التي ظلت سبباً مباشراً للصراعات. فدرالية تُمارَس فعلياً، لا مجرد نصوص دستورية بلا أثر.
كما أن المواقف الرمادية في لحظات مصيرية كهذه تستدعي مراجعة جادة. ففي أوقات تهديد الدولة، يصبح الانحياز للمشروع الوطني الجامع ضرورة، لا خياراً سياسياً تكتيكياً.
إن إنقاذ السودان لن يتحقق بالشعارات ولا بالقوة وحدها، بل بعقل سياسي جديد، واقعي وشجاع، يضع مصلحة المواطن فوق حسابات النخب، ويؤسس لدولة عادلة تسع الجميع. فالتاريخ لا يرحم من أضاعوا الفرص حين كانت الأوطان على المحك.
؛؛؛ودمتم في امان المولي ؛؛؛
