في الظروف الطبيعية للدول تقتضي الضرورة المراجعة المستمرة للخطط والاستراتيجيات التي تدار بها. لتحقيق أهدافها المرحلية وبلوغ غاياتها الاستراتيجية وفي مقدمتها الخطط الأمنية وما تتضمنه من اتجاهات وبرامج لأنها ادعي إلى مواكبة التطورات والمتغيرات. وواقع للسودان اليوم اجوج ما يكون إلى قراءة جديدة للواقع الأمني بدعاماته ومكوناته المختلفة. إذ أنه يشكل العامل الأساسي لبقاء الدولة والأمة والسبيل لكسب معارك المستقبل والمصير. وذلك بالنظرالي المتغيرات التي تشكل واقع اليوم والمناخ السياسي المحلي والإقليمي والعالمي من حوله. فعسكريا تتعدد الجهات الحاملة للسلاح. من هو مع الدولة ومن هو ضدها. مع تنوع منابع التسليح وتنامي رغبات التسلح لدى بعض المكونات الاجتماعية والجهوية حماية لنفسها وخوفا َن مجهول قادم واعتبارا مما مرت به من تجارب أثناء الحرب الدائرة بالبلاد.. واجتماعيا تطفو إلى السطح أصوات ودعاوي عرقية وجهوية تنشر وتملا الساحة بخطابات العنصرية والكراهية والتباغض الاجتماعي وحولها ما حولها من علامات استفهام وأسرار لم تتكشف بعد عن آخرها. مع صعوبة لجمها في ظل الاسافير والفضاء المفتوح. وفي ذات الوقت تتجه القبائل والأعراق إلى استنساخ التجارب الحزبية تفصيلا على نفسها محاكية التراتيب التنظيمية والتدابير التي تمكنهامن الوصول إلى غايات ومرامي في مواقع السلطة وحضور في أجهزة الحكم ومؤسسات إدارة الشأن العام . فضلا عن مشاهد أخرى افرزتها الحرب من نزوح وتشرد وتفكك أسرى وازدياد في معدلات الفقر والبطالة وفقدان مصادر الدخل. وتطور في الجرائم التي تزدهر في اونة النزاعات والحروب عادة. حتى غدت كأنها مهن تهوى إليها أفئدة نفر غير قليل من الناس. مثل تجارة المخدرات… الدعارة وتجارة الجنس.. الاحتيال بفنونه واساليبه الجديدة…. السحر والدجل. الغني المشبوه. مما قد ينتج واقعا اجتماعيا مازوما تصعب معالجته وترتفع كلفته كثيرا حال لم يتم تداركه في الوقت المناسب وبالعلاج الناجع.
واقتصادياً تخرج مهن وحرف عن دائرة الوجود وتخرج اوتتعطل معها موارد كان لها اسهامها في الدخل القومي و تتوافد مجموعات هجرات منظمة تكتنفها الغرابة وتثير التساؤلات وتحولات ديمغرافية تشكل ضغطا على الموارد وتزداد وتيرة الجرائم الموجهة نحو البيئة والموارد مثل التهريب والتعدي على الموارد الغابية والمعدنية لتنتج أوضاعا معقدة على ا لواقع الإقتصادي للبلاد….
وسياسياً تزداد حدة التباين في الرؤى بين التيارات السياسية وتلجأ بعضها وتلهث وراء الاستقواء بالقوى الخارجية وتتطور وتيرة التدخل الدولي وحضور الأطماع الخارجية تنوي أحداث التأثير على مسار ومصير البلاد سياسيا بما يخدم أجندتها… في ظل نظام الحكم الاتحادي بوضعه الذي أضعف سلطة مركز الدولة واغري أطرافها بالنزوع نحو الاستقلالية المغلظة في اتخاذ القرار وإدارة كثير من شؤونها على نحو لا يراعي ضرورات الخضوع للمركز ومراعاة الواقع العام بالبلاد. وهو وضع شجع أطرافا خارجية ان تسعى إلى العبث بأمننا القومي وان تجد لها موطئ قدم كانت تتحين الفرصة له منذ فترة….
وقد نقلت القوى الخارجية المعادية تحركها من سياسة شد الأطراف التي كانت تتبعها مع السودان إلى محاولة بتر الأطراف كمدخل للتفكيك الذي كانت تخطط له ليكون نتاجا حتميا لحراك الفوضي الخلاقة الذي تخطط له وتديره ضمن خططها في المنطقة ككل.
ثقافياً.. يخبو إلى حد كبير الخطاب القومي المسؤول عن بناء الوجدان القومي المشترك وتقوية الممسكات الوطنية الجامعة وينحسر لصالح خطابات وأطروحات جوفاء . و يغزو الساحة الفنية منتج مبتذل يستهوي نفر غير قليل من الشباب. مع ضعف في الأداء الكلي تجاه العمل الثقافي يصاحبه عجز عن القدرة على ابتداع الصيغ المثلى للتعامل مع المسائل الثقافية. مثل التعبير عن التنوع… تعزيز قيم الوحدةالوطنية. وتطوير المواعين الثقافية لتسهم بفاعلية في تحقيق أهداف التنمية وإشاعة الوعي.
ان الواقع الراهن بقدر ما هو مبشر ببعض المؤشرات الإيجابية لكنه محتشد بالتحديات وتشوبه الإخفاقات وتنذر فيه الإشارات الحمراء محذرةمن تطور غير مأمون العواقب والمالات لحالة آمننا القومي بدعاماته الإقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية وهو ما يعني تهديد وجود البلاد واستقرارها. وذلك ما يفرض أن تكون هناك عملية قراءة جادةو مخلصة لهذه المهددات والتحديات وتشخيصها على أسس أكثر عمقا و استقراء مالاتها واتجاهاتها وابتكار التدابير الأكثر كفاية.والافعل في المعالجة . اجرائيا ووقائيا. وما تحتاجه العملية الأمنية بشمولها للمواجهة انطلاقا من المفهوم الشامل للأمن الذي يتخطى النظر إلى الأحداث والوقائع في إطارها المجرد الي آفاق ارحب في تأمين وجود الدولة وحفظ كيان الأمة ومغزي وجودها مرتبطا بتوفر أسباب الوجود… من نظام حكم قوي قادر على إخضاع الجميع لسلطة القانون وحاكمية المؤسسات وعلاقات و أدوار مع العالم من حولنا محاطة بسياج أمني يقي من المساس بالأمن القومي. ونظام اقتصادي قادر على تلبية الاحتياجات وتوفير مقومات الحياة الكريمة ونظام ثقافي قائم على تربية المجتمع على القيم الفاضلة وعقد اجتماعي مستند على الكرامة الإنسانية والمساواة والتراضي الإجتماعي.
وفوق كل ذلك المشاركة الشاملة في درء المخاطر المحدقة بالبلاد من خلال تدبير واعي يوظف احتشاد الإرادة السياسية والمجتمعية معا لصالح مشروع وطني قائم على التراضي والاتفاق حول الاولويات الوطنية الملحة و مستقيما على العدل الذي هو أساس السلم ومقتضي تحقق الرضى المفضي إلى سواد حالة الأمن.واستدامتها. وهذا ما يحتم أن تكون للمخابرات الوطنية والمؤسسات الأمنية القوامة على عملية التخطيط للانتقال المطلوب للبلاد وفقا لما يتوفر لديها من معلومات وما تنتجه موضوعيا من تحليل وقراءات وما يتطلبه دورها من صلاحيات وسلطات.
