لم يكن مستغرباً أن تثير التصريحات الأخيرة للرئيس السوري الانتقالي ، أحمد حسين الشرع ، المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني ، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والفكرية في المنطقة ، فقد قال الرجل بوضوح “أنا لست امتداداً للأحزاب الإسلامية ، سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين ، ولست امتداداً للربيع العربي”.
هذا الموقف الحاسم من المرجعيات الإسلامية والحركات الثورية التقليدية ، يعضّد في نظر كثيرين فرضية أن صعود الشرع ، إلى واجهة الحكم في سوريا لم يكن محض صدفة ، ولا نتيجة طبيعية لمسيرة شخصية ، بدأت في صفوف القاعدة ، بل هو نتاج حسابات استخباراتية معقّدة تديرها القوى الكبرى ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
وُلد أحمد الشرع عام 1982 في العاصمة السعودية الرياض ، ونشأ في أسرة تنتمي أصولها إلى الجولان السوري المحتل ، كان والده ذا توجه قومي معارض للبعث ، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة قبل أن يلجأ إلى العراق ، أما الابن فقد سلك مساراً مغايراً ، إذ انجذب في شبابه إلى المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي في العراق ، فالتحق بتنظيم القاعدة هناك وسُجن خمس سنوات ، لاحقاً عاد إلى سوريا وأسس جبهة النصرة كفرع للقاعدة ، ليصبح اسمه الجولاني ملء السمع والبصر ، لكنه سرعان ما انشق عنها في 2016 معلناً تأسيس جبهة فتح الشام ، ثم هيئة تحرير الشام ، في مسار متدرج نحو استقلالية تنظيمية وسياسية.
بروز الشرع كأمين عام لإدارة العمليات العسكرية في معركة ردع العدوان ، أواخر 2024م كان نقطة التحول الكبرى ، إذ تمكنت قواته من إسقاط نظام بشار الأسد في غضون 12 يوماً فقط ، وفي يناير 2025م ، أعلن الناطق باسم الإدارة اختيار الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية ، مع إلغاء دستور 2012م ، وحل مؤسسات الدولة القديمة ، من حزب بعث وجيش وأجهزة أمنية.
هذا التحول السريع والمفاجئ من قائد فصيل مسلح ، إلى رئيس دولة ، فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عن حجم التدخلات الدولية في رسم هذا السيناريو الدراماتيكي.
هناك من يرى أن صعود الشرع ، ليس إلا ثمرة مشروع استخباراتي طويل المدى ، رعته القوى الغربية منذ سنوات ، فالمخابرات الدولية قادرة على صناعة عميلها ، منذ أن يكون جنيناً في رحم أمه، ترعاه وتوجه مساره حتى يصل إلى قمة السلطة.
وبحسب هذا المنظور ، فإن التحولات المتناقضة في مسيرة الشرع ، من الانتماء لتيارات جهادية متشددة إلى تبني خطاب سياسي براغماتي يقطع صلته بالإسلاميين ، ليست سوى حلقات في مشروع أوسع ، هدفه الأساسي ترويض سوريا المنكوبة ، وتحويلها من ساحة مقاومة ، إلى كيان مطيع في خدمة المخطط الإسرائيلي الأميركي لإعادة تشكيل المنطقة.
قد تكون هذه الرؤية وهذا الطرح صادماً للبعض ، لكنه يجد ما يسنده وفقاً لقائع كثيرة ، منها سرعة سقوط نظام الأسد بعد سنوات من حرب طاحنة ، السلاسة غير المسبوقة في انتقال السلطة ، واللغة الجديدة التي يتبناها الشرع ، كلها مؤشرات على أن ثمة هندسة كبرى تقف خلف المشهد.
وفي ضوء الحلم الإسرائيلي القديم بإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات ، فإن صعود الشرع قد يكون خطوة على طريق تكريس الهيمنة من الداخل ، لا عبر الحرب والجيوش ، بل عبر النماذج الوظيفية التي تُزرع على رأس أنظمة الحكم العربية.
سواء كان أحمد الشرع نتاج تحولات شخصية حقيقية ، أو صناعة مخابراتية محكمة ، فإن سوريا اليوم تعيش مرحلة فارقة في تاريخها ، وما بين آمال السوريين في الخلاص من الاستبداد ، ومخاوفهم من الارتهان لمشاريع خارجية ، تبقى الحقيقة الأكثر رسوخاً أن هذا البلد ما زال ساحة صراع مفتوح ، بين الطموحات الوطنية والتجاذبات الإقليمية والدولية….لنا عودة.