السبت, أغسطس 30, 2025
الرئيسيةمقالاتزاوية خاصة ...

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة أحمد الشرع.. من مقاتل جهادي إلى رئيس انتقالي صناعة المخابرات أم تحوّل طبيعي؟

لم يكن مستغرباً أن تثير التصريحات الأخيرة للرئيس السوري الانتقالي ، أحمد حسين الشرع ، المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني ، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والفكرية في المنطقة ، فقد قال الرجل بوضوح “أنا لست امتداداً للأحزاب الإسلامية ، سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين ، ولست امتداداً للربيع العربي”.

هذا الموقف الحاسم من المرجعيات الإسلامية والحركات الثورية التقليدية ، يعضّد في نظر كثيرين فرضية أن صعود الشرع ، إلى واجهة الحكم في سوريا لم يكن محض صدفة ، ولا نتيجة طبيعية لمسيرة شخصية ، بدأت في صفوف القاعدة ، بل هو نتاج حسابات استخباراتية معقّدة تديرها القوى الكبرى ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وُلد أحمد الشرع عام 1982 في العاصمة السعودية الرياض ، ونشأ في أسرة تنتمي أصولها إلى الجولان السوري المحتل ، كان والده ذا توجه قومي معارض للبعث ، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة قبل أن يلجأ إلى العراق ، أما الابن فقد سلك مساراً مغايراً ، إذ انجذب في شبابه إلى المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي في العراق ، فالتحق بتنظيم القاعدة هناك وسُجن خمس سنوات ، لاحقاً عاد إلى سوريا وأسس جبهة النصرة كفرع للقاعدة ، ليصبح اسمه الجولاني ملء السمع والبصر ، لكنه سرعان ما انشق عنها في 2016 معلناً تأسيس جبهة فتح الشام ، ثم هيئة تحرير الشام ، في مسار متدرج نحو استقلالية تنظيمية وسياسية.

بروز الشرع كأمين عام لإدارة العمليات العسكرية في معركة ردع العدوان ، أواخر 2024م كان نقطة التحول الكبرى ، إذ تمكنت قواته من إسقاط نظام بشار الأسد في غضون 12 يوماً فقط ، وفي يناير 2025م ، أعلن الناطق باسم الإدارة اختيار الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية ، مع إلغاء دستور 2012م ، وحل مؤسسات الدولة القديمة ، من حزب بعث وجيش وأجهزة أمنية.

هذا التحول السريع والمفاجئ من قائد فصيل مسلح ، إلى رئيس دولة ، فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات عن حجم التدخلات الدولية في رسم هذا السيناريو الدراماتيكي.

هناك من يرى أن صعود الشرع ، ليس إلا ثمرة مشروع استخباراتي طويل المدى ، رعته القوى الغربية منذ سنوات ، فالمخابرات الدولية قادرة على صناعة عميلها ، منذ أن يكون جنيناً في رحم أمه، ترعاه وتوجه مساره حتى يصل إلى قمة السلطة.

وبحسب هذا المنظور ، فإن التحولات المتناقضة في مسيرة الشرع ، من الانتماء لتيارات جهادية متشددة إلى تبني خطاب سياسي براغماتي يقطع صلته بالإسلاميين ، ليست سوى حلقات في مشروع أوسع ، هدفه الأساسي ترويض سوريا المنكوبة ، وتحويلها من ساحة مقاومة ، إلى كيان مطيع في خدمة المخطط الإسرائيلي الأميركي لإعادة تشكيل المنطقة.

قد تكون هذه الرؤية وهذا الطرح صادماً للبعض ، لكنه يجد ما يسنده وفقاً لقائع كثيرة ، منها سرعة سقوط نظام الأسد بعد سنوات من حرب طاحنة ، السلاسة غير المسبوقة في انتقال السلطة ، واللغة الجديدة التي يتبناها الشرع ، كلها مؤشرات على أن ثمة هندسة كبرى تقف خلف المشهد.

وفي ضوء الحلم الإسرائيلي القديم بإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات ، فإن صعود الشرع قد يكون خطوة على طريق تكريس الهيمنة من الداخل ، لا عبر الحرب والجيوش ، بل عبر النماذج الوظيفية التي تُزرع على رأس أنظمة الحكم العربية.

سواء كان أحمد الشرع نتاج تحولات شخصية حقيقية ، أو صناعة مخابراتية محكمة ، فإن سوريا اليوم تعيش مرحلة فارقة في تاريخها ، وما بين آمال السوريين في الخلاص من الاستبداد ، ومخاوفهم من الارتهان لمشاريع خارجية ، تبقى الحقيقة الأكثر رسوخاً أن هذا البلد ما زال ساحة صراع مفتوح ، بين الطموحات الوطنية والتجاذبات الإقليمية والدولية….لنا عودة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

احدث التعليقات