في تاريخ الدول والجيوش، السرية العسكرية هي خط الدفاع الأول قبل السلاح والعتاد. كل جيوش العالم تحيط نفسها بجدار من الكتمان، وتتعامل مع قضاياها الداخلية بصرامة تحفظ هيبتها وتحمي أوطانها. لكن المؤسف والمقرف أن نرى في السودان استباحة عجيبة ومخلة لأسرار الجيش، وكأنها شأن مباح لكل ناشط أو إعلامي أو سياسي يلهث وراء الإثارة الرخيصة أو المكاسب الضيقة.
تعديلات الجيش ليست شأنًا عامًا
الجيوش عبر العالم كله تجري إحالات وتنقلات وتغييرات في صفوفها بشكل روتيني، وهي جزء من طبيعة العمل العسكري، لا يُناقَش في المنابر ولا يُحلل في الفضائيات ولا يُخضع للتكهنات. لكن عندنا، تحوّل هذا الأمر إلى سوق للجدل والتنظير، حتى غدا القاصي والداني يتحدث وكأنه خبير استراتيجي أو صاحب قرار داخل هيئة الأركان!
الأسرار العسكرية خط أحمر
ما يُبث في القنوات أو يُكتب في الوسائط من معلومات عن الجيش السوداني، ليس مادة للفضول، بل أسرار عسكرية بامتياز. أي كشفٍ لها يعادل تقديم خدمة مجانية للعدو، وخيانة – بقصد أو بغير قصد – للوطن الذي يئن تحت حرب مصيرية. من لا يعي هذه الحقيقة، فهو يلعب بالنار ويعرّض البلاد للدمار.
إلى السياسيين والناشطين والإعلاميين
كفّوا ألسنتكم عن الجيش، ودعوا القادة والخبراء العسكريين يديرون شؤونهم بمعاييرهم الصارمة. ليس من الوطنية أن تُزايد على مؤسسة الجيش، وليس من الحرية أن تُفشي أسرار الوطن. أنتم بهذا العبث لا تسيئون إلى الجيش فحسب، بل تفتحون ثغرات يستغلها الأعداء لتمزيق البلاد وإطالة أمد المعركة.
الوطن فوق المزايدات
لقد آن الأوان ليفهم الجميع أن الجيش هو صمام أمان الوطن، وأن الحفاظ على أسراره أشرف من كل شعارات فارغة أو جدالات عبثية. من أراد خدمة السودان، فليخدمه عبر تعزيز وحدته الوطنية ودعم جيشه لا عبر الطعن فيه أو تسريب أخباره.
الجيش السوداني ليس مادة إعلامية، بل هو مؤسسة صلبة تمثل بقاء الدولة. كفوا ألسنتكم، وأوقفوا عبثكم، فالأوطان لا تُحمى بالثرثرة، بل بالوعي والالتزام والانضباط.