بسبب سياج السرية الذي ضُرب عليه في أول الأمر من قبل الأطراف الثلاثة السودان وقطر والولايات المتحدة الأمريكية، فقد تباينت ردود الأفعال المحلية واختلفت الآراء حول اللقاء الذي جمع بين الرئيس البرهان ومستشار الرئيس الأمريكي ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في سويسرا (الإثنين) وتسرب خبره بالأمس وأحدث جدلاََ واسعاََ في الوسط الصحفي وفي أوساط المراقبين والرأي العام المحلي، وحدث انقسام حوله ما بين مصدق ومكذب للخبر.
لكن لم يدم الأمر طويلاً حتى إنكشف الغطاء وتواترت التسريبات من مصادر صحفية إقليمية ودولية تؤكد حدوث اللقاء مع ورود تفاصيل أكثر عما جرى فيه.
وقد أبدى الكثيرون إنزعاجهم وقلقهم في باديء الأمر إزاء التسريبات الأولى التي لم تحمل في ثناياها أية تفاصيل عن أجندة اللقاء وعن الأطراف المشاركة فيه، وهو قلق طبيعي ومشروع بالنظر إلى حالة التوجس العام السائدة وسط القوى الداعمة للجيش من أي محاولة لاختطاف ما حققه الجيش والقوات المساندة له من انتصارات على الأرض بخطّاف التفاوض و (صنارة) التسويات التي قد تؤدي إلى إنقاذ الميليشيا وهي تنازع الموت وتلفظ أنفاسها الأخيرة.
لكن ما تدفق من معلومات عن اللقاء في وقت متأخر من يوم أمس وفجر اليوم الأربعاء، أزال الكثير من القلق والإنزعاج، وبدد كثير من المخاوف التي ساورت قطاعات الرأي العام السوداني، ويتوقع أن تتواتر المزيد من المعلومات والتفاصيل والتوضيحات والشروح من الجهات الرسمية خلال هذا اليوم لتضع النقاط على الحروف وتستقيم الأمور في نصابها.
ومن خلال ما توفر من معلومات حتى الآن، يمكن وصف اللقاء في إطاره العام بأنه إيجابي وتم ترتيبه بعيداََ عن التأثيرات غير المرغوب فيها، ويمكن إيراد عدد من الشواهد الدالة على إيجابية اللقاء على نحو مجمل..
- وأول هذه الشواهد أن اللقاء لم يأتِ تحت وطأة ضغط من أي نوع، حيث لم يكن مفهوم (العصا) هو المحرك له وإنما نبع من رغبة الأطراف الداعية له في وضع حد للأزمة بعد تفاقم الوضع الإنساني في دارفور وتزايد جرائم الميليشيا بحق المدنيين في الفاشر وغيرها من مدن دارفور.
- اللقاء تم بترتيب من دولة قطر الشقيقة التي تمتلك سجلاََ ثراََ من النجاحات فيما يتعلق بالوساطات إقليميًا ودوليًا ، وميراثاََ معتبراََ في مجال دبلوماسية الوساطة ومهارة عالية في ديناميكيات استخدام الحوار في حل النزاعات والأزمات. فضلاََ عن احتفاظها بعلاقات ثنائية ممتازة ومتميزة مع السودان وما لقطر من ود ومكانة خاصة لدى السودانيين.
- كذلك فإن اللقاء مع الجانب الأمريكي تم في الإطار الثنائي وهو أمر محمود وطبيعي ومقبول ولا غبار عليه ومن شأنه أن يدفع بالعلاقات مع واشنطون إلى الأمام ويكسر الجمود الذي شاب العلاقة بين البلدين خاصة في فترة رئاسة بايدن. وقد أكد مستشار ترامب خلال اللقاء على حرص بلاده على بناء علاقات مباشرة مع السودان.
- ويأتي تشديد الرئيس البرهان خلال اللقاء على ألا وجود لميليشيا الدعم السريع في مستقبل الدولة السودانية قاطعاََ الطريق على أي إحتمال بتسوية سياسية مع الميليشيا وجناحها السياسي باعتبارهما وجهان لعملة واحدة، وقد أمّن مستشار الرئيس ترامب على هذه النقطة بما يمكن اعتباره توافق تام بين الجانبين.
- ويعزز هذه النقطة عدم توجيه الدعوة لا من قريب ولا من بعيد لميليشيا الدعم السريع لحضور اللقاء، بل أن مستشار الرئيس ترامب وصف ما تقوم به ميليشيا الدعم السريع ضد المدنيين في معسكر أبوشوك بالفاشر بأنه مقلق ومروع.
- لم يتطرق اللقاء إلى أي حديث عن دور أو وساطة أماراتية، وهو ما يتوافق ويتطابق مع موقف السودان وهو موقف صحيح ومنطقي إذ أن الأمارات تفتقر إلى لعب هذا الدور لأنها طرف منحاز كلية لميليشيا الدعم السريع وهي الداعم الأول للميليشيا ولمشروعها الاستيطاني الإرهابي. وبالتالي فهي خصم لا يمكن أن يكون حكماََ أو وسيطاََ بأي حال من الأحوال.
- أما فيما يتعلق بالتحول المدني الديمقراطي الذي أكد عليه الجانب الأمريكي فهو محل إتفاق بين القوى السياسية المختلفة وتم التعبير عنه وتضمينه في خارطة الطريق التي ابتدر تطبيقها بتشكيل حكومة الأمل برئاسة كامل إدريس والتي من مهامها العناية بالملف السياسي والاضطلاع بمهمة التحضير للتحول المدني الديمقراطي.
- ويضاف إلى كل تلك الشواهد الدالة على إيجابية لقاء سويسرا تأكيد مستشار الرئيس ترامب على أن الحلول يجب أن تكون سودانية خالصة وهو تأكيد يعطي السودانيين حقهم الطبيعي في إدارة شأنهم الداخلي ويحترم سيادة بلادهم.
برأيي أن هذا اللقاء عزز موقف السودان ومنحه قوة دفع سياسية ستنعكس إيجاباََ على محاور القتال في معركة الكرامة، وفي نفس الوقت أضعف موقف الميليشيا ورعاتها الاقليميين وأخرجهم عملياََ من دائرة الفعل والتأثير واطاح بهم خارج اللعبة، وهذا سيدفعهم إلى تصعيد هجماتهم على الفاشر في محاولة لفرض الأمر الواقع وإيجاد موطيء قدم لهم حتى لا
يعودوا بخفي حنين.