✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
في ميزان المباحث الجنائية، لا تقاس خطورة الواقعة بقيمة المسروقات وحدها؛ فقد يكشف فقدان متاع محدود عن خلل ممتد في الرقابة، وقد تقود تفاصيل تبدو عابرة إلى تحديد أسلوب إجرامي متكرر. ومن هنا تكتسب الشكوى التي قدمها الفريق شرطة أحمد إمام التهامي، بشأن فتح حقيبته وفقدان بعض محتوياتها لدى وصوله من الرياض إلى مطار الخرطوم، أهميتها باعتبارها واقعة تستوجب تحقيقا دقيقا، وتقييما أمنيا يتجاوز حدود التعويض عن المفقودات.
العقل المباحثي يبدأ بالسؤال، ويقاوم إغراء الإجابة المبكرة. فاكتشاف العبث في مطار الوصول لا يحسم مكان وقوعه، ووجود شخص بالقرب من الحقيبة لا يثبت مسؤوليته. المطلوب بناء تسلسل زمني لحركة المتاع، واختبار الاحتمالات، واستبعاد ما تنفيه الأدلة، حتى تضيق دائرة البحث على أساس موضوعي.
وتبدأ هذه العملية بإفادة مفصلة من الشاكي، تميز بين ما شاهده بنفسه وما استنتجه: آخر وقت تأكد فيه من وجود المحتويات، وحالة الحقيبة عند التسليم، وتوقيت استلامها وفتحها، والأشخاص الذين تعاملوا معها بعد الوصول. ثم توثق أوصاف المفقودات وعلاماتها المميزة وما يتوافر من مستندات بشأنها. فدقة الوصف قد تكون مفتاح التعرف على مال مسروق، كما أن ضبط التوقيت قد يستبعد مرحلة كاملة من الاشتباه.
وللحقيبة نفسها قيمة استدلالية؛ فهي وعاء محتمل للآثار. لذلك ينبغي فحص مواضع العبث وتوثيقها، وتقدير جدوى رفع الآثار بواسطة المختصين، مع مراعاة أن طبيعة تداول الأمتعة تجعل وجود بصمة أو أثر أمرا يحتاج إلى تفسير وربط بالسياق. فالأثر يكتسب دلالته من موضعه وتوقيته وصلته بالفعل، وتظل سلامة حفظه وتوثيق انتقاله أساسا للثقة في نتائجه.
بعد ذلك يأتي تتبع سلسلة الحيازة والمناولة: من تسلم الحقيبة، وأين وضعت، وكيف انتقلت، ومن كانت لديه صلاحية الوصول إليها؟ وهنا ينبغي مقابلة سجلات التشغيل والتصاريح والمناوبات بالتسجيلات المتاحة، مع التحقق من توافق توقيتات الأنظمة المختلفة. فقد يصنع اختلاف الساعة بين كاميرتين تعارضا ظاهريا، وقد يكشف جمع مشاهد متفرقة حركة لا تظهر في تسجيل منفرد.
وتبرز مهنية المباحث في بناء فرضيات متعددة والعمل على اختبارها، بما فيها احتمال الفقد أو الخطأ في المناولة أو وقوع الاعتداء في مرحلة سابقة. وينبغي أن يبحث المحقق عن الأدلة التي تنفي فرضيته بقدر بحثه عما يؤيدها؛ لأن التعلق بمشتبه به مبكرا قد يحجب الفاعل الحقيقي، ويحول التحري إلى محاولة لإثبات تصور سابق.
أما المقابلات، فتحتاج إلى فصل الروايات وتوثيقها ومقارنتها بالوقائع المستقلة. والتناقض يستوجب الاستيضاح، لكنه لا يكفي وحده للإدانة؛ فقد ينشأ عن ضعف الذاكرة أو اختلاف زاوية المشاهدة. وتظل المعلومات الميدانية وسيلة لتوجيه البحث، ثم يأتي التحقق لإسنادها بدليل قابل للفحص.
وإذا وجدت بلاغات مشابهة، يصبح التحليل الجنائي ضرورة: هل تتكرر الوقائع في توقيتات أو مسارات معينة؟ وهل تتشابه طريقة العبث ونوعية المفقودات؟ وهل يظهر ارتباط يستحق التحقيق؟ هذه المقارنات تساعد على التمييز بين واقعة منفردة ونمط محتمل، دون القفز إلى افتراض شبكة منظمة قبل قيام الدليل.
ويمتد التحري، عند توافر قرائن، إلى تتبع المفقودات واحتمالات تصريفها، وفق الإجراءات المختصة. فالعثور على المال قد يكشف مسارا جديدا للتحقيق، لكن ضبطه لدى شخص يقتضي أيضا بحث كيفية وصوله إليه ومدى علمه بمصدره.
وتكتمل المعالجة بمراجعة الثغرات التي يثبتها التحقيق: صلاحيات دخول أوسع من الحاجة، أو تسليم غير موثق، أو تسجيلات غير صالحة، أو إشراف ضعيف. ثم تحدد مسؤولية إصلاحها، ويختبر أثر الإصلاح.
إن شكوى الفريق شرطة أحمد إمام التهامي تستحق هذا العمق المهني، شأنها شأن حق أي مسافر. وهيبة المباحث تتجسد في حقيقة تصل إليها بأدلة سليمة، وحق ترده إلى صاحبه، وبريء تحميه من الاشتباه، وثغرة تغلقها حماية للناس وسمعة السودان.
