حين نتأمل الواقع الذي نعيش فيه، يتبادر إلى الذهن سؤال ملحّ: هل الآراء والمواقف التي تضج بها منصاتنا وتتحكم في نبض الشارع هي تعبير عفوي عن ضمير الناس، أم أنها صدى لشيء آخر يُدبر بليل؟ الحقيقة المرة التي تتكشف أمامنا تدلل على أن المزاج العام ليس تراكماً عفوياً لآراء الأفراد، بل هو نتاج مصفوفة متكاملة لتغيير اتجاهات الوعي العام تُصاغ بعناية داخل غرف التخطيط الاستراتيجي ومنصات التوجيه الرقمي. إن هذه العملية في مفهومها البسيط صناعة ممنهجة تتحول بمرور الوقت إلى نسق لنسج الإدراك الجمعي بصورة غير مرئيه ليقود المجتمعات في النهاية لتبني مواقف حادة من قضايا كبرى تمس مسلمات الحياة العامه في مجالات السياسة، والهوية العرقية، والنوع الاجتماعي علي سبيل المثال لا الحصر . فالوعي الجمعي اليوم لا يتحرك عشوائياً، بل يخضع لعمليات هندسة دقيقة تُشبه مناورات الميدان، حيث يُملأ الفراغ المفاهيمي بضخّ معلومات محددة وبصورة مستمره لمنع الفرد من الوقوف على مسافة نقدية عاقلة من القضايا التي تمس حياته اليوميه بصورة مباشره ، لنجد أنفسنا مدفوعين دون أن ندري نحو أهداف مرسومة سلفاً تستفيد من انقساماتنا هذه لتحقيق غايات اقل ما فيها انها ضد مصالحنا المشتركة .
في المشهد السياسي المعاصر، تُدار هذه العملية عبر آلية للتأطير والاستقطاب وهي نمط خبيث يعتمد على تقسيم المجال العام إلى مربعات نفوذ مغلقة تحظر تماماً أي رؤى رمادية أو مواقف وسطية عاقلة. ليجد الفرد نفسه مدفوعاً بغريزة البقاء الفكري إلى الانحياز الأعمى لأحد المربعين، ظناً منه أنه يمارس خياراً حراً نابعاً من قناعاته الذاتية، بينما هو في الواقع ينفذ حركة التفاف معاكسه لتوجيه طاقته الغاضبة نحو أهداف تخدم الحفاظ على موازين القوى أو تعديلها لصالح أطراف بعينها ولا تعنيه في شئ.
هذا التوجيه الميداني ينتقل بسلاسة مدمّرة إلى الفضاء العرقي والاجتماعي، عبر ما يمكن تسميته بالانكفاء وتحصين الهويه حيث يتراجع العقل التحليلي تماماً حتي يلامس حدود الأمن العاطفي للمجموعة. وحين تشعر الجماعات العرقية بالتهديد الفعلي أو المتخيل، تدخل في حالة تعبئة نفسية شاملة تتجاوز منطق الحقائق والوثائق والتعايش التاريخي ليصبح المزاج العام في هذا السياق محكوماً بالولاء العضوي الحتمي، وتتحول الذاكرة الجماعية من فضاء للفهم الإنساني المتبادل إلى خطوط دفاع وتحصينات فكرية ثابتة يُمنع فيها اختلاط المفاهيم، ويغدو العداء أو الريبة تجاه الآخر هو القاسم المشترك الأكبر الذي يغذي وجدان الجماعة ويحمي تماسكها الظاهري على حساب عافيتها الكلية.
أما في الملفات الجندرية والنوعية، فتتبدى ذروة هذا التعقيد المفاهيمي من خلال محاولات الخلط المستمرة في مسلمات النوع وطبيعة البشر بطرح أفكار مستحدثة تستهدف هذه المفاهيم وتعيد تصميمها لصناعة واقع جديد . فهذه القضايا لا تُطرح اليوم في سياق تطور طبيعي لبنية المجتمعات، بل تُقحم بوصفها أدوات في حرب استنزاف ثقافي تهدف إلى إعادة صياغة المفاهيم الفطرية والاجتماعية المستقرة. وتلعب في ذلك منصات التواصل الاجتماعي دور الحبل السري لتغذية الغضب الاجتماعي، دافعةً بالأفراد إلى دوامة التلقين والتكرار داخل ما يُعرف بغرف الصدى الرقمي حيث لا يسمع الإنسان إلا صدى صوته وآراء جماعته. وفي خضم هذه المعارك الوجودية المصطنعة، تلتهم القضايا الهامشية الاهتمام العام وتصرف الأنظار تماماً عن الأزمات الاقتصادية والهيكلية الأكثر عمقاً وخطورة في حياة الناس.
إن المزاج العام في محصلته النهائية ليس نبض الشارع الحقيقي، بل هو الصدى المرتد الذي تنتجه القوى المهيمنة على وسائل تدفق المعلومات. وعليه يجب أن ندرك إننا نواجه عملية منظمة لإدارة عمليات توجيه الوعي العام لتصبح فيه الاستقلالية الفكرية عبئا ثقيلاً، ويتحول الانسياق خلف التيار الجارف إلى خيار مريح للسلامة الاجتماعية والنفسية . ولقد أدركت قوى الهيمنة الحديثة أن السيطرة الحقيقية لم تعد تتحقق باحتلال الأرض أو الهيمنة العسكرية المباشرة، بل بالسيرة علي الإدراك وصناعة المصطلحات والمفاهيم التي يفكر بها البشر حتى يصل الأمر بالضحايا إلى الدفاع عن قيودهم بحماس بالغ، ظانين وهم يسيرون في الاتجاه المرسوم لهم سلفاً أنهم يصنعون التاريخ بملء إرادتهم وحريتهم المطلقة.
#صناعة_الوعي_الجمعي
#المشهد_السياسي_المعاصر
