مشاركة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في القمة الروسية الإفريقية لم تكن لمجرد لفت الإنتباه ، او من اجل المشاركة او للحضور الدبلوماسي في محفل دولي ، وإنما حملت أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز حدود المشاركة البروتوكولية المعتادة ، وفتحت نافذة للتفكير في موقع السودان ضمن التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية ، وما يمكن أن تتيحه هذه التحولات من فرص لإعادة بناء علاقاته الخارجية على أسس المصالح المتبادلة ، فالعالم اليوم لم يعد محكوماً بقطب واحد كما كان سابقًا ، في مرحلة مابعد انهيار الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة ، إذ تتشكل ملامح نظام دولي تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ والأسواق والموارد وممرات التجارة ، وفي قلب هذا التنافس تقف إفريقيا بما تمتلكه من ثروات طبيعية وموارد زراعية ومواقع جيوسياسية مؤثرة ، وقد ظلت القارة لعقود طويلة ساحة للتنافس الاستعماري ، ثم أصبحت ميداناً لتجاذبات النفوذ الاقتصادي والسياسي بين القوى الدولية.
في ظل هذا الواقع تبدو أهمية الخطاب السوداني في القمة ، الذي اتجه إلى تقديم السودان باعتباره فرصة اقتصادية واعدة وشريكاً محتملاً في المستقبل ، لا مجرد دولة تبحث عن مساندة في مواجهة أزماتها الراهنة ، وهي مقاربة تستحق التوقف عندها ، لأنها تنقل العلاقة من دائرة الاحتياج السياسي إلى فضاء المصالح الاستراتيجية ، وتكمن إحدى أهم نقاط القوة التي يمكن أن يستند إليها السودان في طبيعة موارده ، فروسيا التي تبحث عن توسيع شراكاتها التجارية وتأمين احتياجاتها من الغذاء والمواد الخام ، يمكن أن تجد في السودان شريكاً مهماً في مجالات الزراعة وإنتاج الحبوب والسمسم وزهرة الشمس والصمغ العربي ، فضلاً عن الذهب والمعادن الأخرى ، وفي المقابل يحتاج السودان إلى استثمارات ورؤوس أموال وتقنيات حديثة ، أما البعد الآخر الذي لا ينبغي أن يغيب عن حسابات الدبلوماسية السودانية ، فهو البحر الأحمر مكمن الصراع الخفي ، فالسودان يمتلك شريطاً ساحلياً استراتيجياً ، وموانئ يمكن أن تتحول إلى منصات للتجارة والاستثمار والربط بين الأسواق الإفريقية ، ولا ينبغي اختزال التفكير في هذا الموقع في البعد العسكري أو التنافس على النفوذ ، بل الأجدى طرح مشروعات للموانئ والخدمات اللوجستية والنقل البحري والمناطق الصناعية والتجارية ، فالموانئ ليست مجرد ممرات لعبور السفن ، وإنما بوابات اقتصادية يمكن أن تصل روسيا بالأسواق الإفريقية ، خصوصاً الدول الحبيسة التي تعتمد على منافذ دول الجوار في تجارتها ، إن الأهم من المشاركة ذاتها هو ما يمكن أن يترتب عليها من تفاهمات واتفاقيات ومشروعات قابلة للتنفيذ ، وهنا تبدأ مسؤولية المؤسسات السودانية ، وعلى رأسها وزارة الخارجية ، في تحويل المواقف السياسية إلى برامج اقتصادية ، وفتح المجال أمام القطاع الخاص ورأس المال الوطني لبناء شراكات تجارية واستثمارية مع الجانب الروسي ، بما يضمن ألا تظل العلاقة رهينة اللقاءات والبيانات الدبلوماسية ، إن السودان لا تنقصه الموارد ولا الموقع ولا فرص الشراكة ، وإنما يحتاج إلى رؤية استراتيجية تحسن توظيف هذه المقومات ، فالقمة الروسية الإفريقية ينبغي ألا تكون محطة في سجل الزيارات الخارجية فقط ، بل نقطة انطلاق نحو بناء شراكة اقتصادية حقيقية ومؤسسة ، تجعل من السودان فاعلاً في معادلة المصالح الدولية ، لا مجرد ساحة تتجاذبها القوى الكبرى ، فالعالم لا يمنح الفرص لمن ينتظرها ، وإنما لمن يمتلك الرؤية والقدرة على تحويلها إلى واقع… لنا عودة.
#السودان_والعلاقات_الاستراتيجية
